قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1].
وقال ﷺ: «أَبغَض الحَلال إلى الله الطَّلاق» (سنن أبي داود وصحّحه ابن حجر).
حُكم الطَّلاق
الأَصل فيه الكَراهة، لما فيه من تَفريق وأَذى. لكنّه قد يَكون:
- واجباً: إذا تَعَذَّرت العِشرة وخِيف الوُقوع في المَعصية.
- مَكروهاً: إذا كان بدون سَبَب.
- مُحَرَّماً: إذا كان في وَقت بِدعيّ (في حَيض، أَو في طُهر جامَع فيه).
- مُباحاً: عند الحاجة.
- مُستحبّاً: إذا كانت الزَّوجة سَيّئة الخُلُق ضارّة بالدِّين.
شُروط صِحّة الطَّلاق
- العَقل: لا يَقع طَلاق المَجنون والمُغمى عليه.
- البُلوغ: لا يَقع طَلاق الصَّغير.
- الاختيار: لا يَقع طَلاق المُكرَه. قال ﷺ: «رُفع عن أُمّتي الخَطَأ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه» (سنن ابن ماجه وحسّنه ابن حجر).
- القَصد: لا يَقع طَلاق السَّكران الذي زال عَقله، ولا اللاهي. (مُختَلَف فيه)
مَسألة الطَّلاق في حال الغَضَب الشَّديد:
الراجح كما اخْتاره ابن القَيّم: لا يَقع طَلاق مَن أَغلَق عليه عَقله من شِدّة الغَضَب بحَيث لا يَدري ما يَقول. قال ﷺ: «لا طَلاق ولا عَتاق في إغلاق» (سنن أبي داود وصحّحه ابن حجر). والإغلاق: ما أُغلِق على المَرء من شِدّة الغَضَب.
أَنواع الطَّلاق
1) سُنّيّ وبِدعيّ
#### السُّنّيّ: أن يُطَلِّقها وهي طاهر طُهراً لم يُجامِعها فيه. قال الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
#### البِدعيّ:
- الطَّلاق في الحَيض أَو النِّفاس.
- الطَّلاق في طُهر جامَعها فيه.
- جَمع الثَّلاث في لَفظ واحد.
قِصّة ابن عمر: طَلَّق امرأَتَه وهي حائض، فأَخبَر عمرُ النبيَّ ﷺ، فقال: «مُره فليُراجِعها، ثم ليُمسِكها حتى تَطهُر، ثم تَحيض ثم تَطهُر، ثم إن شاء أَمسَك بَعد، وإن شاء طَلَّق قَبل أن يَمَسّ. فتلك العِدّة التي أَمَر الله أن تُطَلَّق لها النِّساء» (متفق عليه).
2) رَجعيّ وبائن
#### الرَّجعيّ: الطَّلاق الأَوّل والثاني، يَملك الزَّوج فيه إرجاع زَوجته أَثناء العِدّة بدون عَقد جَديد ولا مَهر.
#### البائن البَينونة الصُّغرى: إذا انقَضَت عِدّة المُطَلَّقة الرَّجعيّة قَبل المُراجَعة. لا يَملك إرجاعها إلا بعَقد ومَهر جَديدَين.
#### البائن البَينونة الكُبرى: الطَّلاق الثالث. لا تَحلّ له حتى تَنكح زَوجاً غَيره (نِكاحاً صَحيحاً مَع إرادة العِشرة، لا تَحليلاً). قال الله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].
ولَعَن ﷺ المُحَلِّل والمُحَلَّل له (سنن أبي داود وحسّنه ابن حجر).
3) مُنَجَّز ومُعَلَّق
#### المُنَجَّز: يَقع فَوراً.
#### المُعَلَّق:
- إن كان قَصده الحَثّ أَو المَنع (يَمين الطَّلاق): فيه خِلاف، اخْتار ابن تيميّة وابن القَيّم أنّه لا يَقع وفيه كَفّارة يَمين.
- إن كان قَصده إيقاع الطَّلاق فعلاً عند تَحَقُّق الشَّرط: فيَقع.
مَسألة الطَّلاق الثَّلاث في مَجلس واحد
اخْتار ابن تيميّة وابن القَيّم — وهو مَذهب جَماعة من السَّلَف — أنّ الطَّلاق الثَّلاث في مَجلس واحد بلَفظ واحد يَقع طَلقة واحدة. لقَول ابن عبّاس: «كان الطَّلاق على عَهد رَسول الله ﷺ وأَبي بَكر وسَنَتَين من خِلافة عمر طَلاق الثَّلاث واحدة. فقال عمر: إنّ الناس قد استَعجَلوا في أَمر كانت لهم فيه أَناة، فلو أَمضَيناه عليهم. فأَمضاه عليهم» (صحيح مسلم).
العِدّة
عِدّة المُطَلَّقة:
- ذات الحَيض: ثَلاث حَيْضات (قُروء). قال الله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228].
- الآيِسة (التي بَلَغت سِنّ اليَأس) والصَّغيرة: ثَلاثة أَشهُر. قال الله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4].
- الحامِل: حتى تَضع حَملها. قال الله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
- غَير المَدخول بها: لا عِدّة عليها.
عِدّة المُتَوَفّى عَنها زَوجها:
أَربعة أَشهُر وعَشراً. قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. إلا الحامِل فعِدَّتها وَضع الحَمل.
المُطَلَّقة الرَّجعيّة
تَبقى في بَيت زَوجها أَثناء العِدّة. قال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]. ولها نَفقة وسُكنى.
ويَبقى الزَّوج صاحِب الحَقّ في إرجاعها بكَلِمة أَو فِعل (كالقُبلة بشَهوة).
آداب الطَّلاق
- التَّأَنّي وعَدم الاستعجال: وأَكثر حالات الطَّلاق سَببها الغَضَب الذي يَزول.
- التَّوسُّط في الإصلاح: قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35].
- عَدم إفشاء أَسرار العِشرة: قال ﷺ: «إنّ من شَرّ الناس عند الله مَنزلة يَومَ القِيامة الرَّجل يُفضي إلى المَرأة وتُفضي إليه ثم يَنشُر سِرَّها» (صحيح مسلم).
- التَّسريح بإحسان: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].
التَّحذير من اللَّعِب بالطَّلاق
قال ﷺ: «ثَلاث جِدّهنّ جِدّ، وهَزلهنّ جِدّ: النِّكاح والطَّلاق والرَّجعة» (سنن أبي داود والترمذي وحسّنه ابن حجر).
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سنن أبي داود والنسائي. زاد المعاد لابن القيم. مجموع الفتاوى.