مَنهَج اتِّباع الأَئمّة

لا تَقليد أَعمى — العِبرة بالدَّليل من الكِتاب والسُّنّة

قاعِدة الاتِّباع — لَيس التَّقليد

الأَئمّة الأَربَعة بَشَر عُلَماء، أَفنَوا أَعمارهم في خِدمة الدِّين. نُحِبّهم ونَترَحَّم عَلَيهم، لكن لا نَتَّبِعهم اتِّباعاً أَعمى. كل قَول مَردود إن خالَف الكِتاب والسُّنّة، إلا قَول النَّبيّ ﷺ. هذا ما أَوصانا به الأَئمّة أَنفُسهم — كما سَتَرى أَدناه.

بكَلامهم هم — لا تُقَلِّدونا

«إذا قُلت قَولاً يُخالِف كِتاب الله وخَبَر الرَّسول ﷺ فاترُكوا قَولي».

— الإمام أَبو حَنيفة

«إنّما أنا بَشَر، أُصيب وأُخطئ، فاعرِضوا قَولي عَلى الكِتاب والسُّنّة، فما وافَقهما فخُذوه، وما خالَفهما فاترُكوه».

— الإمام مالِك بن أَنَس

«إذا وَجَدتم في كِتابي خِلاف سُنّة رَسول الله ﷺ، فقولوا بسُنّة رَسول الله ودَعوا ما قُلت».

— الإمام الشّافِعيّ

«لا تُقَلِّدني، ولا تُقَلِّد مالِكاً، ولا الشّافِعيّ، ولا الأَوزاعيّ، ولا الثَّوريّ، وخُذ من حَيثُ أَخَذوا».

— الإمام أَحمد بن حَنبَل

أَربَعَتهم اتَّفَقوا: لا تُقَلِّدونا، اِتَّبِعوا الدَّليل.

هَكَذا فَعَل السَّلَف

لم يُعرَف عَن أَحَد من الصَّحابة ولا التابِعين أَنّه قَلَّد رَجُلاً في كل ما يَقول، وتَرَك حَديث النَّبيّ ﷺ لأَجله. بَل كانوا أَوَّل من يَنكِر عَلى مَن خالَف السُّنّة.

  • ابن عَبّاس رَضي الله عنهما لمّا احتَجّ عَلَيه أَحَد بقَول أَبي بَكر وعُمَر، قال: «يوشِك أن تَنزِل عَلَيكم حِجارة من السَّماء! أَقول: قال رَسول الله ﷺ، وتَقولون: قال أَبو بَكر وعُمَر؟».
  • عُمَر بن الخَطّاب رَضي الله عنه رَجَع عَن أَكثَر من قَضية لمّا بَلَغه فيها حَديث (مَثَلاً: في دِية أَصابع المَرأة، رَجَع لقَول النَّبيّ ﷺ بَعد ما كان يَرى غَيره).
  • الإمام مالِك (وهو إمام دار الهِجرة) كان يَقول: «كلّ أَحَد يُؤخَذ من قَوله ويُرَدّ، إلا صاحِب هذا القَبر — وأَشار إلى قَبر النَّبيّ ﷺ».

تَسَلسُل نَقل العِلم

لفَهم سَبَب اختِلاف الأَئمّة، يَجِب أن نَفهَم كَيف انتَقَل العِلم. العِلم لم يَنزِل دُفعة واحِدة في كِتاب واحِد، بل جاء بمَراحِل عَبر القُرون.

١

عَصر النَّبيّ ﷺ — البَلاغ المُباشِر

11 سَنة قَبل الهِجرة ـ 11 هـ

الصَّحابة كانوا يَسمَعون من النَّبيّ ﷺ مُباشَرة، فإن لم يَفهَم أَحَد سَأَله. المُشكِلة الفِقهية تُحَلّ في لَحظَتها بنَصّ من الوَحي. لا اختِلاف ولا حاجة لاجتِهاد.

٢

عَصر الصَّحابة — التَّفَرُّق في الأَمصار

11 ـ نَحو 100 هـ

بَعد وَفاة النَّبيّ ﷺ، تَفَرَّق الصَّحابة في الفُتوحات: عَلِيّ في الكوفة، ابن مَسعود فيها، ابن عُمَر في المَدينة، أَبو هُرَيرة فيها، عَبد الله بن عَمرو في مِصر... كلّ صَحابيّ يَنشُر ما حَفِظ من الأَحاديث في مَنطِقَته. فَحَفِظ أَهل المَدينة أَكثَر، وأَهل الكوفة أَقَلّ نِسبياً.

٣

عَصر التابِعين — تَلَقّي العِلم من الصَّحابة

نَحو 50 ـ نَحو 130 هـ

كل تابِعيّ يَأخُذ ممّن يَلقاه من الصَّحابة. تَكَوَّنَت مَدارِس فِقهية: أَهل الحِجاز (مَدرَسة المَدينة)، أَهل العِراق (مَدرَسة الكوفة والبَصرة)، أَهل الشّام، أَهل اليَمَن. كلّ مَدرَسة تَختَلِف عن الأُخرى في عَدَد الأَحاديث التي وَصلَتها.

٤

عَصر الأَئمّة الأَربَعة — تَدوين الفِقه

80 ـ 241 هـ

أَبو حَنيفة بالكوفة (80-150)، مالِك بالمَدينة (93-179)، الشّافِعيّ (150-204)، أَحمد ببَغداد (164-241). كلّ إمام جَمَع فِقهاً عَلى ما وَصَله من الأَحاديث في مَنطِقَته. ولأنّ بَعض الأَحاديث لم تَكُن قد جُمِعت بَعد في كِتاب واحِد، فقَد يَفوت إماماً حَديث صَحيح.

٥

عَصر تَدوين الحَديث — الكُتُب الستّة

194 ـ 303 هـ

البُخاريّ (194-256)، مُسلم (204-261)، أَبو داود (202-275)، التِّرمِذيّ (209-279)، النَّسائيّ (215-303)، ابن ماجه (209-273). جَمَعوا أَحاديث النَّبيّ ﷺ في كُتُب مُنَقَّحة. **لاحِظ:** البُخاريّ وُلد بَعد وَفاة الإمامَين أَبي حَنيفة ومالِك! الشّافِعيّ تُوُفّي قَبل وِلادَتي أَبي داود والتِّرمِذيّ بنَحو سَنَتَين. فالأَئمّة الأَربَعة أَفتَوا قَبل أن تَكتَمِل مَوسوعات الحَديث.

٦

ما بَعد — اِكتِمال المَنظومة

بَعد 300 هـ

بَعد جَمع الحَديث، صار العالِم القادِر يُراجِع فَتاوى الأَئمّة عَلى ضَوء الحَديث الصَّحيح. ابن تَيميّة، ابن القَيِّم، الذَّهَبيّ، ابن حَجَر، ابن كَثير وغَيرهم رَجَّحوا أَقوالاً لإمام عَلى آخَر بحَسَب الدَّليل، بدون تَعَصُّب لمَذهَب.

لِماذا اختَلَف الأَئمّة؟

١. عَدَم وُصول الحَديث

هذا أَكبَر سَبَب. أَبو حَنيفة في الكوفة، البُخاريّ في بُخارى. بَعض الأَحاديث لم تَصِل لأَبي حَنيفة لأنّها لم تَكُن مَجموعة في كِتاب بَعد. وحَتى مالِك في المَدينة فاتَه بَعض ما عند أَهل الشّام.

٢. اختِلاف في تَصحيح الحَديث

قَد يَصِل الحَديث للإمام لكنّه يُضَعِّفه لأنّ راوِياً فيه عنده مَجروح، بَينما يُصَحِّحه إمام آخَر. الأَئمّة اختَلَفوا في الحُكم عَلى بَعض الرُّواة.

٣. اختِلاف في فَهم النَّصّ

مِثال شَهير: قَوله تَعالى ﴿أَو لامَستُم النِّساء﴾. أَبو حَنيفة ومالِك يَفسِّرونها بالجِماع، فلا يَنتَقِض الوُضوء بمُجَرَّد لَمس المَرأة. الشّافِعيّ يَأخُذها عَلى ظاهِرها فيَنتَقِض. أَحمد فَصَّل بحَسَب الشَّهوة. كلّ إمام له دَليله ولا يُلام عَلى اجتِهاده.

٤. اختِلاف في القَواعِد الأُصولية

هل العامّ يُخَصَّص بالعَمَل؟ هل الزِّيادة من ثِقة مَقبولة؟ هل المُرسَل حُجّة؟ كلّ إمام له قَواعِد، فاختَلَفت الفُروع تَبَعاً للأُصول.

٥. الأَئمّة أَنفُسهم رَجَعوا

للشّافِعيّ مَذهَب قَديم بالعِراق ومَذهَب جَديد بمِصر، رَجَع عَن كَثير من المَسائل. وأَحمد يَنقُل عنه ابن قُدامة قَولَين أَو ثَلاثة في مَسأَلة واحِدة. هذا دَليل عَلى أنّ الإمام لَيس مَعصوماً، ويَتَحَرّى الحَقّ متى ظَهَر له.

ماذا نَفعَل نَحن إذاً؟

  • ١

    اِحتَرِم الأَئمّة كلّهم — هم خَير القُرون بَعد الصَّحابة والتابِعين.

  • ٢

    إن كُنت عامّيّاً لا تَعرِف الدَّليل، فاتَّبِع عالِماً ثِقة عاقِلاً يُفتيك بحَسَب الدَّليل، لا بحَسَب التَّعَصُّب.

  • ٣

    إن وَصَلَك حَديث صَحيح يُخالِف قَول الإمام الذي تُقَلِّده، فاترُك قَول الإمام واتَّبِع الحَديث — هذا ما أَمَرك به الإمام نَفسه.

  • ٤

    احذَر التَّعَصُّب المَذهَبيّ. إذا قُلت «أنا حَنَفي» أَو «أنا شافِعيّ» بمَعنى أنّك لا تَقبَل من غَير مَذهَبك، فهذا تَعَصُّب جاهِليّ.

  • ٥

    اجمَع ما صَحّ من جَميع الأَئمّة. لا مانِع من الأَخذ بقَول الشّافِعيّ في مَسأَلة وقَول أَحمد في أُخرى، إذا كان الدَّليل مَعك.

  • ٦

    لا تَتَكَلَّم في الدِّين بدون عِلم. إذا لم تَعرِف، فاسأَل أَهل العِلم الموثوقين — لا كل مَن نَصَّب نَفسه.

  • ٧

    العِلم بالدَّليل عِبادة. اِجتَهِد في تَعَلُّم الفِقه بدَليله، لا تَكتَفِ بـ«قال شَيخي».

العَودة لصَفحات الأَئمّة