نص الشبهة
يَزعُم المُنتَقِدون أنّ حَدّ الرِّدّة في الإسلام يُناقِض حُرّية الاعتِقاد التي يُنادي بها القُرآن: ﴿لا إكراهَ في الدِّين﴾، وأنّه قانون قَمعي يَنفي التَّعَدُّدية الدِّينية.
الرد العلمي
هذه شُبهة قائِمة على فَهم مَبتور لِنَظام الإسلام التَّشريعي:
أَوَّلاً: لا إكراه في الدُّخول إلى الإسلام الآية ﴿لا إكراه في الدِّين﴾ [البقرة: 256] تَحكم الدُّخول إلى الإسلام: لا يُجبَر أَحَد على دُخول الدِّين، وعَلى ذلك إجماع المُسلِمين. وعاش غَير المُسلِمين قُروناً في ظِلّ الخِلافات الإسلامية على دِينهم بحُرّية تامّة.
ثانياً: حَقيقة حَدّ الرِّدّة في المَذاهِب الأَربَعة حَدّ الرِّدّة في الفِقه الكلاسيكي عُقوبة على من أَعلَن خُروجه عن الإسلام جَهراً بَعد دُخولِه، وله ضَوابِط شَديدة:
- يُستَتاب ثَلاثة أَيّام، ويُناقَش في شُبَهِه
- لا يُقام إلاّ على البالِغ العاقِل المُختار
- لا تَقيمه إلاّ السُّلطة الشَّرعية (لَيس فَرداً ولا جَماعة مُتَطَرِّفة)
- يَختَلِف الفُقَهاء فيمَن اعتَقَد الرِّدّة في قَلبه ولَم يُجاهِر
ثالثاً: السِّياق التّاريخي والسِّياسي في عَصر النُّبُوّة وما بَعده، كان الانتِماء الدِّيني انتِماءً سِياسياً (المُجتَمَع الدِّيني = الدَّولة). فالخُروج العَلَني عن الإسلام بَعد دُخوله كان يُعَدّ خِيانة سِياسية للنِّظام والوَلاء، لا مُجَرَّد تَحَوُّل قَلبي. شَبيه بقَوانين الخِيانة العُظمى في كل الدُّوَل الحَديثة.
رابعاً: الاجتِهاد المُعاصِر كَثير من فُقَهاء أَهل السُّنَّة المُعاصِرين (مثل الشَّيخ مُحَمَّد رَشيد رِضا، الطّاهِر بن عاشور، يوسف القَرَضاوي، مُصطَفى الزَّرقا، عَبد العَزيز الأَنصاري) أَكَّدوا أنّ حَدّ الرِّدّة يَتَعَلَّق بالرِّدّة المُحارِبة (التي تَقتَرِن بحَرب الدَّولة ومُحاوَلة هَدمها)، لا بمُجَرَّد تَغيير الاعتِقاد الفَردي السِّرّي.
خامساً: مُقارَنة عادِلة الدِّيمُقراطيات الحَديثة كلّها تُجَرِّم الخِيانة العُظمى والرِّدّة عن النِّظام السِّياسي (تَأييد العَدُوّ، تَسريب الأَسرار) بعُقوبات قَد تَصل للإعدام، وهذا لا يُعَدّ قَمعاً للحُرّية. فلِماذا يُسمَح للدَّولة العَلمانية بحِماية نَفسها، ويُمنَع المُجتَمَع الإسلامي من حِمايَة هُوِيَّته؟
خُلاصة: حَدّ الرِّدّة لَيس قَمعاً للقَلب، بَل حِفظاً للنِّظام العامّ. والإسلام أَتاح حُرّية مُطلَقة لاختِيار الدِّين، وحاسَب من خَرَج بَعد دُخولِه جَهراً بمَوقِف يُهَدِّد المُجتَمَع.
بَدائع الصَّنائع للكاساني. الإقناع للحَجّاوي. حَدّ الرِّدّة بَين الأَصالة والمُعاصَرة لعَدَد من الباحِثين. مَقاصِد الشَّريعة الإسلامية للطّاهِر بن عاشور. حُرّية الاعتِقاد في الإسلام لمُحَمَّد سَليم العَوّا.