creed

شُبهة: إذا كان كلُّ شَيء بقَدَر، فلِماذا الحِساب؟

نص الشبهة

يَقول بَعضهم: إذا كان الله قد كَتَب كلّ شَيء قَبل أن يَخلُق الإنسان، فلِماذا يُحاسبه على فِعله؟ ولماذا يُعاقب الكافِر وقد كَتَب الله عليه الكُفر؟ هذا ظُلم!

الرد العلمي

هذه شُبهة قَديمة، أَورَدَها المُشركون قَبل الفَلاسِفة. وهي تَنشأ من خَلط بَين عِلم الله ومَشيئة الإنسان. والجَواب:

1) الفَرق بَين عِلم الله ومَشيئة الإنسان

عِلم الله سابق لكلّ شَيء. لكنّ عِلمه بأنّك ستَفعل كذا لا يُجبرك على الفِعل، بل يُخبر عمّا أنتَ فاعله بمَحض اختِيارك.

تَخَيَّل: لو كان عِندك صَديق يَعرفك تَمام المَعرفة. وتَوقَّع لك: «أنتَ غَداً ستَأكل في هذا المَطعم». ثم أَكَلتَ فيه. هل تَوَقّعه أَجبَرَك على الأَكل؟ كلا. عِلمه طابَق فِعلك المُختار، لا أنّ عِلمه أَجبَرَك.

عِلم الله تامّ كامل، يَعلم ما كان وما يَكون وما لم يَكن لو كان كَيف يَكون. لكنّ عِلمه لا يَسلب مَشيئة العَبد.

2) القَدَر الذي كَتَبه الله ليس إجباراً

قال الله: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: 29]، ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].

فالله نَفسه أَثبَت أنّ الإنسان «شاء» — أي اختار. والكِتابة في اللوح المَحفوظ هي تَسجيل لما سيَختارُه العَبد، لا قَهر له.

3) الإنسان يَشعر بمَشيئته بالضَّرورة

كل إنسان عاقل يَعلم بفِطرته أنّه مُختار. تَستَطيع أن تُحَرِّك يَدك، تَستَطيع أن تَقرأ هذا الجَواب أَو تَترُكه. لا أَحَد يُجبرك.

ولَو قُلتَ: «أَنا مَجبور»، فهذا قَولك المُختار. ولو قَتَلتَ نَفساً وقُلتَ للقاضي: «الله كَتَبَه عَلَيّ»، لأَجابك القاضي: «وأنا أَيضاً مَكتوب عَلَيّ أن أُعاقبك». ما كان أَحَد ليَقبل عُذر القَدَر.

4) رَدّ النَّبيّ ﷺ على هذه الشُّبهة

سَأَل بَعض الصَّحابة النَّبيّ ﷺ: «أَنَدع العَمَل ونَتَّكل؟ أَلا نَترُك العَمَل ونَتَّكل على الكِتاب الأَوَّل؟» فقال ﷺ: «اعمَلوا، فكلٌّ مُيَسَّر لما خُلِق له، أمّا أَهل السَّعادة فيُيَسَّرون لعَمَل أَهل السَّعادة، وأمّا أَهل الشَّقاوة فيُيَسَّرون لعَمَل أَهل الشَّقاوة» (متفق عليه).

ثم قَرَأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7].

فالقَدَر يُيَسّر الإنسان لما اخْتاره، لا أَنّه يُجبره.

5) المُحاسَبة لأنّ الإنسان مُختار

الله يُحاسب الإنسان لأنّه:

  • أَعطاه عَقلاً: يُمَيِّز به الخَير والشَّرّ.
  • أَرسَل إليه الرُّسُل: ليُبَلِّغوه الحَقّ. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
  • مَنَحَه إرادة: يَختار بها. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3].

ومَن أُعطي العَقل والرَّسول والإرادة، ثم اختار الكُفر، فهو مُلام بحَقّ.

6) الكافِر لا يَعتَذر بالقَدَر يَومَ القِيامة

قال الله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148].

لاحظ: هذا الاحتِجاج بالقَدَر رَدّه الله ولم يَقبَله. فمَن احتَجَّ بالقَدَر على ذَنبه، فقد سَلَك سَبيل المُشركين.

7) القاعدة الذَّهَبية في القَدَر

اخْتَصَرها العُلَماء بكَلِمة: «يُحْتَجّ بالقَدَر على المَصائب، لا على المَعاصي».

  • إذا أَصابَتك مُصيبة (مَرَض، فَقد عَزيز، خَسارة): قُل «قَدَّر الله وما شاء فَعَل»، تَسليماً.
  • إذا فَعَلتَ مَعصية: لا تَقُل «قَدَر الله»، بل تُب واستَغفر، فالاختيار كان لك.

8) القَدَر سِرّ الله في خَلقه

نُؤمن بالقَدَر، ولا نَخُوض فيه فَوق ما أَخبَرنا الله. قال ﷺ: «إذا ذُكِر القَدَر فأَمسِكوا» (الطبراني وحسّنه ابن حجر).

والصَّحابة آمَنوا بالقَدَر وعَمِلوا. لَم يَجلِسوا يَنتَظرون «المَكتوب». بل سَعَوا واجتَهَدوا، وقالوا: «نَفعل بأَسبابنا، ونُسَلِّم بنَتائجنا لله».

مِثال يُقَرِّب المَعنى

تَخَيَّل أُستاذاً وَضَع امتِحاناً للطُّلّاب، وأَعطاهم نَفس الوَقت، نَفس المَعلومات، نَفس الأَسئلة. وكان يَعلَم بدِراسته للطُّلّاب أنّ فُلاناً سيَنجح وفُلاناً سيَرسُب. هل عِلمه السابق ظَلَم الراسب؟ كلا. الراسب رَسَب لأنّه لم يَجتَهد، والأُستاذ علم بهذا قَبلاً.

والله أَعلى وأَجَلّ، لا يُقاس بمَخلوق. لكنّ المَعنى يُقَرِّب: عِلم الله ليس ظُلماً، بل هو إخبار بحَقيقة ما سيَختارُه العَبد.

الخُلاصة

القَدَر سِرّ الله، آمَنّا به ولا نَستَطيع الإحاطة بكلّ تَفاصيله. لكنّ الذي نَعلمه يَقيناً:

  • الله عادل لا يَظلِم.
  • الإنسان مُختار مَسؤول.
  • عِلم الله السابق لا يَنفي اختيار العَبد.
  • الاحتِجاج بالقَدَر على المَعصية حُجّة المُشركين.

واسعَ في عَمَلك ولا تَتَّكِل على المَكتوب.

المراجع والمصادر

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر لابن القيم. درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية. شرح العقيدة الواسطية.