نص الشبهة
يَقول بَعضهم: الحِجاب فَرض في زَمن قَديم لظُروف خاصّة، وهو اليَوم قَيد على المرأة، يَمنَعها من التَّعَلُّم والعَمَل والتَّقَدُّم. والمرأة الغَربية تَطَوَّرَت بَعد أن تَخَلَّصَت من القُيود المُماثلة. فلِماذا نُصِرّ على الحِجاب؟
الرد العلمي
هذه شُبهة فيها مُغالَطات كَثيرة: فيها افتراض غَير صَحيح أنّ الحِجاب يَمنَع التَّعَلُّم، وفيها تَجاهُل لإنجازات المرأة المُسلمة عَبر التاريخ، وفيها تَسليم خاطئ بأنّ نَموذَج المرأة الغَربية هو القُدوة. والجَواب:
1) الحِجاب فَريضة قَطعية بنَصّ القرآن
قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59].
وقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
فالحِجاب لَيس عادة ثَقافية، بل عِبادة فَرَضها الله كالصَّلاة والزَّكاة. وليس لأَحَد أن يُعَدِّل فَريضة لظُروف الزَّمان.
2) الحِجاب في كلّ الشَّرائع السَّماوية
غِطاء الرَّأس لم يَختَرعه الإسلام. تَجده:
- في اليَهودية: نِساء اليَهود الأُرثوذكس يُغَطّين شَعرهنّ بـ«الشَّيتل».
- في النَّصرانية: قال بُولُس في رِسالته الأُولى لأَهل كورنثوس: «كل امرأة تُصَلّي ورَأسها غَير مُغَطّى تَشِين رَأسها». والراهبات في الكَنيسة الكاثوليكية كلُّهنّ مُحَجَّبات.
- مَريم أمّ عيسى عليهما السَّلام: لا تَجد لها صورة في الكَنائس إلا وهي مُحَجَّبة.
فالحِجاب ميراث الأَنبياء، لا اخْتِراع إسلاميّ.
3) الحِجاب لا يَمنَع التَّعَلُّم ولا العَمَل
نِساء الصَّحابة كنّ يَتَعَلَّمن ويُعَلِّمن، يُتاجرن، يَخرُجن للقِتال (لتَطبيب الجَرحى)، يَحضرن مَجالس النَّبيّ ﷺ والخُلَفاء.
- عائشة أمّ المُؤمنين: عالِمة بالقرآن والحَديث، يَأخذ عنها كِبار الصَّحابة، رَوَت أَكثَر من 2,000 حَديث.
- خَديجة أمّ المُؤمنين: تاجرة من أَكبَر تُجّار قُرَيش.
- أمّ عَطية الأَنصارية: كانت تَخرُج مع النَّبيّ ﷺ في غَزواته تُداوي الجَرحى.
- الشِّفاء بنت عَبد الله: عَلَّمَت الكِتابة لحَفصة بنت عمر، وكانت تُفتي في زَمَن عمر.
- رابعة العَدَوية، ابنة الإمام مالك، أُمّ الفَضل بنت الرَّبيع — كلّهنّ عالِمات.
وفي العَصر الحَديث: نَوبَل الكيمياء حَصَلَت عليها امرأة مُسلمة في تُونس (لَيس بَعد، لكن المُحَجَّبات في الجامِعات والمُختَبرات في كلّ بَلَد). والمُحَجَّبات قائدات شَرِكات، طَبيبات جَرّاحات، مُهَندسات، رياضيّات.
4) النَّموذج الغَربي ليس مَعصوماً
من قال إنّ تَخَلّي المرأة عن الحِشمة هو «تَقَدُّم»؟
- في الغَرب اليَوم: نِسبة الاكتِئاب بَين النِّساء أَعلى منها بَين الرِّجال.
- نِسبة العُنف ضدّ النِّساء أَكبَر من أَيّ مُجتَمَع مُحافِظ.
- نِسبة الاغتِصاب في أَمريكا وأُوروبا تَفوق أَيّ مُجتَمَع مُسلم بأَضعاف.
- التَّحَرُّش الجِنسي في أَماكن العَمَل ظاهرة شائعة.
- المرأة في الإعلانات والأَفلام صارَت سِلعة تُسَوَّق بها المُنتَجات.
أَيّ «تَقَدُّم» هذا الذي تُحَرَّر فيه المرأة من القُيود لتُسجَن في القَوالب الجِنسية؟
5) الحِجاب حِماية لا قَيد
قال الله: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59].
الحِجاب يَقول لكل مَن يَنظُر: «هذه امرأة لا تُلامَس بنَظرة، اعْرِفها بإنسانيَّتها لا بجَسَدها».
والذي يُريد أن يُحَرِّر المرأة من هذا، يُريد فِعلاً تَحويلها إلى أُنثى مَعروضة لكلّ ناظر، لا إلى إنسان كامل يُحتَرَم لذاته.
6) فِطرة الحَياء
كل امرأة في فِطرتها حَياء. الحِجاب يُلَبّي هذه الفِطرة، لا يُعارضها. قال ﷺ: «الحَياء شُعبة من الإيمان» (متفق عليه).
والمُسلمات اللواتي يَلبَسن الحِجاب باخْتِيارهنّ يَجدن فيه راحَة نَفسيّة وعِزّة. وكلّ مَن سَأَلتهنّ شَهَدَن بذلك.
7) التَّقَدُّم الحَقيقيّ
التَّقَدُّم الحَقيقيّ ليس في خَلع الثِّياب، بل في:
- العِلم: العالم العَربي والإسلامي تَأَخَّر بسَبب تَركه للعِلم الأَصيل، لا بسَبب الحِجاب.
- العَمَل: المرأة المُحَجَّبة تَعمَل بكل مِهنة لا تَتَنافى مع كَرامتها.
- الإنتاج: انظر للمَلاكِم الياباني، أَو الطَّبيب الكُوري — لا أَحَد قال لهم: تَخَلَّوا عن لِباسكم لتَتَقَدَّموا.
الخُلاصة
الحِجاب فَريضة شَرعية، لَيس قَيداً، بل تَكريم للمرأة وحِماية لها. ما يُسَوَّق على أنّه «تَحرير» للمرأة في الغَرب هو في الحَقيقة استِغلال لها. والمرأة المُسلمة لا تَحتاج إلى دَرس من غَيرها في كَيف تَكون كاملة وحُرّة وفاعلة.
الحُريّة الحَقيقية أن تَختار المرأة ما يُرضي ربَّها، لا ما تُمليه عليها مَوضات الزَّمَن.
تفسير ابن كثير. الفتاوى لابن تيمية. أعلام النساء لعمر رضا كحالة. عودة الحجاب لمحمد المقدم.