شبهات معاصرة

شُبهة: الإسلام دِين عُنف بسبب الجِهاد

نص الشبهة

يَقول بَعضهم: ما قَرَأنا في القرآن آيات تَقول «اقتُلوهم حَيث ثَقِفتُموهم»، «قاتِلوا الذين لا يُؤمنون بالله». وما نَرى مَن يَتَوَلَّون اسم الإسلام يَتَفَجَّرون في المُدُن ويَقتُلون الأَبرياء. أَلَيس هذا دَليلاً على أنّ الإسلام دين عُنف؟

الرد العلمي

هذه الشُّبهة مُرَكَّبة من عِدّة أَخطاء: انتِزاع الآية من سِياقها، الخَلط بَين تَصَرُّفات بَعض المُنتَسبين للإسلام وبَين الإسلام نَفسه، وتَجاهُل النُّصوص المُحكَمة. والجَواب:

1) فَهم القُرآن لا يَكون بنَزع الآية من سياقها

من قَواعد التَّفسير عند أَهل العِلم — وعند أَيّ مَنهج تَحليليّ صَحيح — أنّ الآية تُفهَم في سِياقها قَبلها وبَعدها، وفي سِياق القرآن كلّه.

مِثال آية «اقتُلوهم حَيث ثَقِفتُموهم» [البقرة: 191]:

قَبلها: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

بَعدها: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 192-193].

فالسِّياق: قِتال المُعتَدين الذين بَدَؤوا الحَرب، فإذا انتَهَوا فلا قِتال. هذا نَفس قواعد الحَرب العادِلة في كل دِين وقانون.

2) الآيات المُحكَمة في حُسن مُعاملة غَير المُسلمين

قال الله: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

«تَبَرّوهم»: أي تُحسنوا إليهم. وهذا خِطاب للمُسلمين عَن غَير المُسلمين الذين لم يُقاتلوهم.

3) قَواعد الجِهاد في الإسلام

الجِهاد المَشروع له ضَوابط دَقيقة لا تَجدها في أيّ قانون حَرب آخَر:

  • النَّهي عن قَتل غَير المُقاتلين: قال ﷺ في وَصاياه للجَيش: «ولا تَقتُلوا امرأة، ولا صَبيّاً، ولا كَبيراً هَرماً» (سنن أبي داود وصحّحه ابن حجر).
  • النَّهي عن قَتل الرُّهبان والمُتَعَبِّدين في صَوامعهم.
  • النَّهي عن قَطع شَجَر أو هَدم بِناء بدون حاجة.
  • النَّهي عن المُثلَة بالقَتلى.
  • النَّهي عن الغَدر.
  • النَّهي عن قَتل الرَّسول والمَبعوث.

4) التَّفجير في المُدُن وقَتل الأَبرياء حَرام صَريح

قَتل النَّفس بغَير حَقّ من أَكبَر الكَبائر. قال الله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93].

وقال ﷺ: «اجتَنِبوا السَّبع المُوبِقات» وذَكَر منها: «قَتل النَّفس التي حَرَّم الله إلا بالحَقّ» (متفق عليه).

وقال: «لَزَوال الدُّنيا أَهوَن عند الله من قَتل رَجُل مُسلم» (الترمذي وحسّنه ابن حجر).

والذين يُفَجِّرون أَنفسهم في الأَسواق ويَقتُلون النِّساء والأَطفال والمَدَنيِّين — مُسلمين أَو غَير مُسلمين — يَرتَكبون كَبائر ثَلاث:

  • قَتل النَّفس (الانتِحار).
  • قَتل النُّفوس البَريئة.
  • الإفساد في الأَرض.

5) الفَرق بَين الدِّين والمُنتَسِبين إليه

كلّ دِين فيه مَن يُحسن فَهمه ومَن يَنحَرف عنه. فلا يُحاكَم الإسلام بأَفعال مَن يَنتَسبون إليه ويُخالفون نَصوصه القاطعة.

كما لا تُحاكَم النَّصرانية بأَفعال جَرائم الكنيسة في القُرون الوُسطى، ولا اليَهودية بمَجازر الجَيش الإسرائيليّ، ولا العِلمانية بفَظائع الحَربَين العالَميَّتَين.

الإسلام يُحاكَم بنَصوصه المُحكَمة، لا بانحِرافات بَعض المُنتَسبين إليه.

6) الواقع التاريخيّ يُكَذِّب الادِّعاء

التاريخ شاهد على رَحمة الإسلام:

  • عمر بن الخَطّاب دَخَل القُدس ولَم يَقتُل أَحَداً، وعاش النَّصارى تَحت حُكمه آمِنين.
  • صَلاح الدِّين فَتَح بَيت المَقدِس ولم يَنتَقم من النَّصارى رَغم ما فَعَلوه بالمُسلمين عند احتِلالها قَبل ذلك.
  • الأَندلُس كانت أَكثَر بِلاد العالَم تَسامُحاً، يَعيش فيها اليَهود والنَّصارى بحُريّة لا يَعرفونها في أيّ مَكان آخَر.
  • العَهد العُمَريّ كَفَل لأَهل الكِتاب أَموالهم وكَنائسهم.

7) العَدل والقِسط أَصل في الإسلام

قال الله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].

أي: لا يَحمِلَنَّكم بُغض قَوم على ظُلمهم. واعدلوا حتى مع أَعدائكم.

الخُلاصة

الإسلام دِين رَحمة وعَدل. الجِهاد المَشروع له ضَوابط دَقيقة لا تَتَجاوز قَواعد العَدل في الحَرب. وقَتل الأَبرياء جَريمة مُحَرَّمة بصَريح النَّصّ، يُحاسَب عليها فاعلها يَومَ القِيامة.

من حَكَم على الإسلام بأَفعال الخَوارج المُعاصرين، حَكَم بحُكم جائر، لأنّ الإسلام يَتَبَرَّأ منهم نَصّاً وحُكماً.

المراجع والمصادر

تفسير ابن كثير. أحكام أهل الذمة لابن القيم. مجموع الفتاوى لابن تيمية. السياسة الشرعية لابن تيمية.