نص الشبهة
يَدّعي المُلحِدون أنّ وُجود الشَّرّ والمُعاناة في العالَم يَتَناقَض مع وُجود إله رَحيم قادِر: إمّا أنّ الله يَعجَز عن مَنع الشَّرّ (فلَيس قادِراً)، أو يَستَطيع ولا يَفعَل (فلَيس رَحيماً)، أو لا يُريد ذلك (فلَيس خَيِّراً).
الرد العلمي
هذه «المُعضِلة الثُّلاثية» القَديمة (لإبيقور) قائِمة على افتِراضات خاطِئة، والإجابة الإسلامية شامِلة:
أَوَّلاً: مَفهوم الشَّرّ نَسبي وجُزئي الشَّرّ الذي نَراه «شَرّاً» قَد يَكون من زاوِية ضَيِّقة. النَّظرة الإلهية شامِلة لكل الزَّمَن والكَون: ﴿وعَسى أَن تَكرَهوا شَيئاً وهو خَيرٌ لكُم﴾ [البقرة: 216]. الجَرّاح يُؤلِم المَريض لِيَشفيه — هل هذا شَرّ؟
ثانياً: الشَّرّ ثَمَن الاختِيار الإنسان مُخَيَّر، والاختِيار يَستَلزِم إمكان الانحِراف. لو سَلَب اللهُ الإنسانَ حُرِّيَّته لِيَمنَع الشَّرّ، لأَلغى الكَرامة والمَسؤولية والتَّكليف. فالشَّرّ النّاتِج عن الإنسان (الحُروب، الظُّلم، السَّرِقة) هو نَتيجة سوء الاختِيار البَشَري، لا فِعل الله.
ثالثاً: الابتِلاء أَصل في الحَياة الدُّنيا الدُّنيا دار اختِبار، لَيست دار جَزاء. ﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ والحَياةَ ليَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلاً﴾ [المُلك: 2]. ولَو كانت الدُّنيا خالِية من الأَلَم، لما كانت اختِباراً، ولا تَميَّز الصّابِر من الجاحِد، ولا الرَّحيم من القاسي.
رابعاً: الحِكَم من الأَلَم والمُعاناة
- تَكفير الذُّنوب: «ما يُصيب المُسلِمَ من نَصَب ولا وَصَب... إلاّ كَفَّر اللهُ بها من خَطاياه» (البخاري)
- رَفع الدَّرَجات: «إنّ العَبد إذا سَبَقَت له من الله مَنزِلة لم يَبلُغها بعَمَله، ابتَلاه الله في جَسَده أو ماله أو ولده، ثُمّ صَبَّره» (أحمد)
- التَّعَرُّف على نِعَم الله: لولا الجوع ما عُرِفَت لَذّة الشِّبَع
- اللُّجوء إلى الله: المُصيبة تُذَكِّر العَبد بربّه
خامساً: المَعاناة جَزء من نِظام الكَون لا خَطأ فيه الزَّلازِل، البَراكين، الأَوبئة — كثير منها جُزء من نِظام طَبيعي مُتَوازِن (الزَّلازِل تُجَدِّد القِشرة الأَرضية، البَراكين تُغَذّي التُّربة، إلخ). فالشَّرّ المُطلَق غَير مَوجود في الخَلق، بل كل شَيء له وَجه خَير.
سادساً: المَعنى لا يَكتَمِل إلاّ بالآخِرة لو كانت الدُّنيا هي كل شَيء، لكان السُّؤال صَعباً. لكنّ الإسلام يُعَلِّمنا أنّ هذه الحَياة مَرحَلة، والعَدل النّاجِز في الآخِرة: ﴿يَومَ تُجزى كل نَفسٍ بما كَسَبَت لا ظُلمَ اليَومَ﴾ [غافر: 17]. كل صابِر مُكافأ، وكل ظالِم مُحاسَب.
سابعاً: ضَعف الحُجَّة الإلحادية أتُلغي وُجود الشَّمس لأنّ ضَوءها يُؤلِم العَين أحياناً؟ المُلحِد لو نَفى وُجود الله بسَبَب الشَّرّ، فعليه أن يُجيب: ما مَصدَر الخَير الكَثير الذي يَفوق الشَّرّ آلاف المَرّات؟ ما مَصدَر الجَمال؟ النِّظام؟ الحُبّ؟ القانون الأَخلاقي الذي يَجعَلنا نُسَمّي الشَّرّ شَرّاً؟ إن نَفَيت الإله، نَفَيتَ أَيضاً وُجود «الشَّرّ» كقيمة مُطلَقة.
خُلاصة: الإسلام لا يَنكِر وُجود الأَلَم، لكنّه يَضَعه في سِياق حِكمَة الخَلق، الاختِبار، الكَرامة الإنسانية، والعَدل الأُخروي.
شِفاء العَليل لابن القَيِّم. مِنهاج السُّنَّة لابن تَيمية. اللهُ يَتَجَلّى في عَصر العِلم لعَدَد من العُلَماء. مُشكِلة الشَّرّ في الفِكر الإسلامي لمُحَمَّد عَبد القادِر بَهجَت. وُجود الله لِنادِر البَزري.