نص الشبهة
يَدّعي المُستَشرِقون والمُنتَقِدون أنّ القُرآن نَقَل قِصَص الأَنبِياء (آدَم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى) من التَّوراة والإنجيل، وهذا دَليل أنّه من تأليف مُحَمَّد ﷺ، لا وَحياً من الله.
الرد العلمي
هذه شُبهة قَديمة، وقد فَنَّدها عُلَماء المُسلِمين والمُستَشرِقون المُنصِفون أَنفُسهم:
أَوَّلاً: التَّوافُق المُنتَظَر من نَفس المَصدَر القُرآن نَفسه يَقول إنّ التَّوراة والإنجيل من عند الله: ﴿وأَنزَلَ التَّوراةَ والإنجيل من قَبل هُدًى للنّاسِ﴾ [آل عمران: 3-4]. فمن المُتَوَقَّع أن تَتَوافَق قِصَص الأَنبِياء في الكُتُب السَّماوية، فهذه قِصَص حَدَثَت فِعلاً، ومَصدَرها واحِد. الاختِلاف يَكون دَليل تَناقُض، أمّا التَّوافُق فدَليل تَصديق.
ثانياً: الفُروق الجَوهَرية بَين الرِّوايَتَين عند المُقارَنة الدَّقيقة، القُرآن يَختَلِف اختِلافاً جَوهَرياً عن الكِتاب المُقَدَّس:
- آدم: في التَّوراة، حَوّاء أَغوَت آدَم فأَكَل من الشَّجَرة (سِفر التَّكوين 3). في القُرآن، كِلاهُما عَصى وكِلاهُما تابَ، ثُمّ تابَ اللهُ عليهما ﴿فتَلَقّى آدَمُ من رَبِّه كَلِماتٍ﴾ [البقرة: 37].
- نوح: في التَّوراة، نوح يَسكَر ويَتَعَرّى أمام أَولاده (تَكوين 9). القُرآن يُنَزِّه الأَنبِياء عن مِثل هذا.
- إبراهيم: في التَّوراة، إبراهيم يَكذِب على فِرعَون مِصر مَرَّتَين (تَكوين 12، 20). القُرآن يَنزِّهه: ﴿إنّه كان صِدّيقاً نَبيّاً﴾ [مَريَم: 41].
- لوط: في التَّوراة، لوط يَزني مع ابنَتَيه بَعد سُكره (تَكوين 19). القُرآن يَنزِّهه.
- داود: في التَّوراة، داود يَزني مع زَوجة قائِده ثُمّ يَتَدَبَّر قَتله (صَموئيل الثاني 11). القُرآن يَذكُر «خَصمَ المِحراب» فَقَط ولا يَنسُب لداود ذَنباً كَبيراً.
- سُلَيمان: في التَّوراة، سُلَيمان يَترُك التَّوحيد ويَعبُد آلِهة زَوجاته الوَثَنية (مُلوك الأَوَّل 11). القُرآن يَنزِّهه ﴿وما كَفَر سُلَيمان﴾ [البقرة: 102].
- عيسى: في الأَناجيل، عيسى ابن الله أو إله مُتَجَسِّد. القُرآن يَنفي ذلك قَطعِيّاً ﴿لَن يَستَنكِفَ المَسيحُ أَن يَكونَ عَبداً لله﴾ [النساء: 172].
ثالثاً: مَعلومات قُرآنية لَم تَكُن في الكِتاب المُقَدَّس ذَكَر القُرآن أُموراً عن الأَنبِياء لَم تَكُن في التَّوراة أو الإنجيل، وأَكَّدَتها الاكتِشافات الأَثَرية حَديثاً:
- ذِكر «هامان» مُساعِد فِرعَون — كان المُستَشرِقون يَنكِرون وُجوده، حَتّى اكتُشِفَت آثار تُؤَكِّد وُجود اسم هامان في عَصر فِرعَون
- التَّفريق بَين «المَلِك» (إبراهيم ويوسف) و«فِرعَون» (موسى) — وقد ثَبَتَ تاريخياً أنّ حُكّام مِصر لم يُلقَّبوا بفِرعَون إلاّ في عَصر مُتأخِّر
- ذِكر اسم «إرَم ذات العِماد» في القُرآن (الفَجر: 7)، وكان مَجهولاً عند المُؤَرِّخين، حَتّى اكتُشِفَت آثار «إيبلا» في 1973م وذَكَرَت أرام/إرَم
رابِعاً: مَن أَين كان لمُحَمَّد ﷺ هذه المَعلومات؟
- كان أُمّياً لا يَقرأ ولا يَكتُب (إجماع)
- لم تُتَرجَم التَّوراة والإنجيل إلى العَرَبية في عَصره
- لَم يَكُن في مَكَّة عُلَماء يَهود أو نَصارى بشَكل مُكَثَّف
- لو نَقَل لكان الأَولى نَسخ الرِّوايات الكامِلة، لا التَّصحيح والتَّعديل بهذه الدِّقَّة
خامِساً: شَهادة المُستَشرِقين المُنصِفين حَتّى بَعض المُستَشرِقين أَقَرّوا بَصراحة أنّ نَظَرية «النَّقل» لا تَصمُد. وَكَتَب الفَرنسي موريس بوكاي في «القُرآن والتَّوراة والإنجيل والعِلم» تَحليلاً مُقارَناً، وانتَهى إلى أنّ القُرآن لا يَتَناقَض مع العِلم الحَديث، خِلافاً للكِتاب المُقَدَّس الذي يَحوي تَناقُضات عِلمية.
خُلاصة: التَّوافُق الجُزئي بَين القُرآن والكِتاب المُقَدَّس مَنتَظَر، فهي قِصَص حَقيقية من مَصدَر واحِد. والاختِلافات الجَوهَرية تُثبِت أنّ القُرآن مُصَحِّح لا ناقِل، ومُهَيمِن على الكُتُب السّابِقة كما قال تعالى: ﴿ومُهَيمِناً عليه﴾ [المائدة: 48].
القُرآن والتَّوراة والإنجيل والعِلم لموريس بوكاي. القِصَص القُرآني لعَبد الكَريم الخَطيب. الإسرائيليات في التَّفسير لمُحَمَّد حُسَين الذَّهَبي. هَذا الدِّين لسَيِّد قُطُب. التَّوافُق العَلمي للقُرآن لزَغلول النَّجّار.