نص الشبهة
يَدّعي المُنتَقِدون أنّ الإسلام شَرَّع الرِّقّ ولَم يُلغِه، وأنّ ذلك يُناقِض كَرامَة الإنسان، فكَيف يَكون دِينَ رَحمة وهو يَقبَل العَبيد؟
الرد العلمي
هذه شُبهة قائِمة على إغفال السِّياق التّاريخي ومَنهَج الإسلام الإصلاحي:
أَوَّلاً: الإسلام لَم يَختَرِع الرِّقّ، بَل وَجَده مُنتَشِراً عند بَعثة النَّبي ﷺ كان الرِّقّ نِظاماً عالَمياً راسِخاً: الرومان، الفُرس، الجاهِليّون، الصِّينيّون، الهُنود. كان مَصدَر العَمالة الرَّئيسي، يَستَحيل إلغاؤه فَجأة دون انهِيار الاقتِصاد العالَمي بالكامِل.
ثانياً: مَنهَج الإسلام: التَّضييق التَّدريجي حَتّى الانعِدام الإسلام لم يَتَعامَل مع المُشكِلة بإلغاء فَوري (كان مُستَحيلاً)، بَل بسِياسة تَدريجية حَكيمة:
- سَدّ مَنابِع الرِّقّ: حُصِر مَصدَر الرِّقّ الجَديد في أَسرى الحَرب فَقَط (لا اختِطاف، لا بَيع أَطفال، لا اسْتِرقاق بدَين)
- تَوسيع مَنافِذ العِتق: كَفّارة اليَمين، كَفّارة الظِّهار، كَفّارة القَتل الخَطأ، كَفّارة الإفطار في رَمَضان — كلّها بعِتق رَقَبة. الزَّكاة فيها سَهم خاصّ «وفي الرِّقاب». «من أَعتَقَ رَقَبة أَعتَقَ اللهُ بكلّ عُضوٍ منها عُضواً منه من النّار» (البخاري)
- رَفع المَكانة الإنسانية: «إخوانكُم خَوَلُكُم، جَعَلَهم اللهُ تَحتَ أَيديكُم» (البخاري)، تَحريم ضَربهم بلا حَقّ، الحَثّ على إطعامهم مما يَأكُل السَّيِّد ولُبسِهم مما يَلبَس
- المُكاتَبة: حَقّ العَبد في طَلَب عَقد يَتَحَرَّر به مُقابِل دَفع مَبلَغ، والسَّيِّد مُلزَم بقَبول العَقد إذا كان العَبد قادِراً ﴿فكاتِبوهُم إن عَلِمتُم فيهِم خَيراً﴾ [النور: 33]
ثالثاً: النَّتيجة التّاريخية الرِّقّ في المُجتَمَع الإسلامي تَدَنّى تَدريجياً، وكان العَبد قَد يَصير عالِماً (نافِع، عِكرِمة) أو والياً (طاهِر بن الحُسَين) أو سُلطاناً (المَماليك). وفي القُروَن الأَخيرة، أَلغَت الدُّوَل المُسلِمة الرِّقّ بفَتاوى عُلَماء أَهل السُّنَّة (الدَّولة العُثمانية 1857-1882م، المَملَكة السُّعودية 1962م) باعتِبار انعِدام شُروطه الشَّرعية.
رابعاً: مُقارَنة بالأَنظِمة الأُخرى
- النَّصرانية الأوروبية مارَسَت الرِّقّ حَتّى القَرن التاسِع عَشَر (إلغاء أمريكا 1865م، البَرازيل 1888م) دون أن يَدعُو الكِتاب المُقَدَّس لإلغائه
- اليَهودية مَيَّزت بَين العَبد العِبراني (يُعتَق بَعد سَبع سَنَوات) والعَبد الأَجنَبي (يَبقى مَملوكاً للأَبَد) [التَّوراة، سِفر اللاويين]
- المُجتَمَعات الحَديثة عِندها صُور رِقّ مُقَنَّع: العَمالة المُستَعبَدة في مَناطِق صِراع، الاتِّجار بالبَشَر، والاستِغلال الجِنسي بحَجم يَفوق الرِّقّ التاريخي
خامساً: الرِّقّ مَعدوم اليَوم في الشَّرع الإسلامي العَمَلي كل العُلَماء المُعاصِرين من أَهل السُّنَّة (ابن باز، ابن عُثَيمين، الفَوزان، القَرَضاوي، الزَّرقا، البوطي، إلخ) أَفتَوا بأنّ شُروط الرِّقّ المَشروع (الحَرب الشَّرعية الكامِلة بشُروطها وتَوزيع الأَسرى) لَم تَعُد قائِمة في النِّظام العالَمي الحَديث، فأَصبَح الرِّقّ مُمتَنِعاً عَمَلِيّاً.
خُلاصة: الإسلام نَظَر للرِّقّ على أنّه مُشكِلة بَشَرية تاريخية، وأَطلَق نِظاماً تَدريجياً للقَضاء عليه، حافِظاً للكَرامة، حَتّى انتَهى عَمَلِيّاً. وهذا أَحكَم من الإلغاء الفَوري الذي لو وَقَع لانهارَ المُجتَمَع.
الإسلام والرِّقّ لعَلي حُسَين الخَربوطلي. شُبُهات حَول الإسلام لمُحَمَّد قُطُب. الرِّقّ في الإسلام لأَحمَد شَلَبي. حُقوق الإنسان في الإسلام لمُحَمَّد الزُّحَيلي. فَتاوى ابن باز وابن عُثَيمين في النَّوازِل.