creed

شُبهة: التَّبَرُّك بالقُبور والاستِغاثة بالأَولياء

نص الشبهة

يَقول بَعضهم: نحن لا نَعبد الأَولياء، إنّما نَتَوَسَّل بهم لأنّهم أَقرَب إلى الله مِنّا. فما المانع أن نَدعو الأَولياء، ونَطلب منهم قَضاء الحاجات؟ ألَيسَت هذه الزِّيارات والتَّبَرُّك من إكرامهم وتَعظيمهم؟

الرد العلمي

هذه شُبهة قَديمة، ردّ عليها مُشركو قُرَيش بمِثلها، فأَبطَل الله احتِجاجهم. والجَواب من وُجوه:

1) هذه نَفس حُجّة المُشركين

قال الله عن مُشركي قُرَيش:

> ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3].

فلَم يَكن المُشركون يَنفون رُبوبية الله، ولا يَعتَقدون أنّ الأَصنام تَخلق وتَرزق. كانوا يَقولون: «هَؤلاء شُفَعاؤنا عند الله» — حَرفاً بحَرف ما يَقوله الذين يَدعون الأَولياء اليَوم.

ومع ذلك، حَكَم الله عليهم بالشِّرك والكُفر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.

2) الدُّعاء عِبادة لا تَصلح إلا لله

قال ﷺ: «الدُّعاء هو العِبادة» (سنن أبي داود والترمذي وحسّنه ابن حجر).

والعِبادة كلُّها لله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

فمَن دَعا غَير الله — مَيِّتاً أَو غائباً يَطلب منه ما لا يَقدر عليه إلا الله — فقد أَشرَك بالله.

3) الفَرق بَين التَّوَسُّل المَشروع والتَّوسُّل المَمنوع

التَّوَسُّل ثَلاثة أَنواع:

مَشروع:

  • التَّوَسُّل بأَسماء الله وصِفاته: «اللهمّ إنّي أَسألُك بأَسمائك الحُسنى...».
  • التَّوَسُّل بعَمَل صالح للداعي نَفسه: كما في حَديث الثَّلاثة الذين انطَبَقت عليهم الصَّخرة، فدَعَوا الله بأَعمالهم.
  • التَّوَسُّل بدُعاء الصالحين الأَحياء الحاضِرين: أن تَطلب من رَجُل صالح أن يَدعو لك. كما طَلَب عمر من العبّاس عَمّ النبيّ ﷺ أن يَدعو في الاستِسقاء (صحيح البخاري).

مَمنوع شِرك أَكبَر:

  • دُعاء المَيِّت أَو الغائب بطَلَب ما لا يَقدر عليه إلا الله: «يا فُلان اشفِني»، «يا وَلِيَّ الله ارزُقني»، «يا سَيِّدي ارفَع عنّي البلاء».

مَمنوع بِدعة (دون الشِّرك):

  • التَّوَسُّل بذَوات الأَنبياء والصالحين بَعد مَوتهم، كأن يَقول: «اللهمّ إنّي أَتَوَسَّل إليك بحَقّ نَبيّك».

4) لَيس بَين العَبد ورَبّه واسطة

قال الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

لاحظ كَيف أنّ الله لم يَقُل «قُل» — بل قال «فإنّي قَريب» مُباشَرة. كأنّه يُريد أن يَختَصر المَسافة بَين العَبد وربِّه فلا يَكون فيها وَسيط.

5) الأَولياء أَنفسهم لا يُؤَيِّدون هذا

الصَّحابة رَضي الله عنهم — وهم خَير الأَولياء بَعد الأَنبياء — لم يَفعَلوا هذا. لم يَذهَب أَحَد منهم إلى قَبر النَّبيّ ﷺ ليَطلُب منه شَيئاً. بل كانوا يَدعون الله مُباشَرةً.

ولمّا حَدَثَت قَحط في خِلافة عمر، لم يَذهَب إلى قَبر النَّبيّ ﷺ، بل خَرَج بالعبّاس حَيّاً ليَدعو الله بدُعائه.

6) الأَموات لا يَسمَعون بحَسب الأَصل

قال الله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ﴾ [النمل: 80]. وقال: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22].

والأَولياء بَعد مَوتهم في عالَم البَرزَخ، لا يَدرون بأَحوال الدُّنيا، فكَيف يَستَجيبون دُعاء؟

7) الفَرق بَين تَعظيم الأَولياء ودُعائهم

نحن نُحبّ الأَولياء، نَتَرَحَّم عليهم، نَزور قُبورهم لنَتَذَكَّر المَوت ونَدعو لهم — لا أن نَدعوهم.

فالزِّيارة المَشروعة:

  • السَّلام عليهم.
  • الدُّعاء لهم.
  • الاتِّعاظ بحالهم.
  • لا الطَّواف، لا الذَّبح، لا النَّذر، لا الاستِغاثة، لا التَّمَسُّح بالقَبر.

الخُلاصة

دَعوة الأَولياء بَعد مَوتهم وطَلب قَضاء الحاجات منهم هو عَين الشِّرك الأَكبَر الذي بَعَث الله الرُّسُل لإبطاله. وحُجّة «إنّما نَتَقَرَّب بهم إلى الله» هي حُجّة المُشركين الأُولى، أَبطَلها الله بصَريح القرآن.

ومَن يُحبّ النَّبيّ ﷺ والأَولياء حَقّاً، فليَتَّبع ما جاؤوا به: التَّوحيد الخالص لله وَحده.

المراجع والمصادر

كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب. الفتاوى لابن تيمية (مجموع الفتاوى). إغاثة اللهفان لابن القيم.