المؤسس
الجهم بن صفوان السمرقندي (قُتل سنة 128هـ) في خراسان. أخذ مبادئه عن الجعد بن درهم — وهو رأس التعطيل الأول في تاريخ الإسلام، الذي قتله الأمير خالد القسري ضحية يوم الأضحى عام 124هـ بعدما خطب فيه قائلاً: «أيها الناس، ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم، فإنّي مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنّه زعم أن الله لم يتّخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلّم موسى تكليماً، تعالى الله عمّا يقول الجعد علوّاً كبيراً»، نقله الذهبي في «العلوّ للعليّ الغفّار» (ص 130). والجعد ذاته أخذ بدعته من أبان بن سمعان، وهذا أخذها عن طالوت يهوديّ من اليمن.
النشأة
نشأة المذهب وسلسلة المؤسّسين
السلسلة الأولى للتعطيل
الجهمية فرقة لها سلسلة معطِّلين تُروى عن أئمة التابعين:
- طالوت (يهوديّ من اليمن).
- لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ.
- أبان بن سمعان.
- الجعد بن درهم — قتله الأمير خالد القسري سنة 124هـ ضحية للأضحى.
- الجهم بن صفوان — قتله سَلِم بن أحوز المازني والي خراسان سنة 128هـ.
الانتشار في خراسان
انتشر المذهب في خراسان وما وراء النهر، ثم ضعف في بلاد المسلمين بعد قتل الجهم. وكانت أصوله العامة قد تأثّرت بـ:
- الفلسفة اليونانية.
أبرز المعتقدات المخالفة
أصول مذهب الجهمية الخمسة الكبرى:
1) نفي جميع الأسماء والصفات
زعموا أن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التشبيه بالمخلوق، ففرّوا منه إلى نفي الجميع. فقالوا: ليس لله اسم على الحقيقة ولا صفة، بل أسماؤه وصفاته كلّها مجاز. وهذا تعطيل أشدّ من تعطيل المعتزلة، لأن المعتزلة أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، أمّا الجهم فنفى الكلّ.
2) القول بخلق القرآن
وهو من فروع تعطيل الصفات. وهذا الأصل هو الذي امتُحن فيه الإمام أحمد رحمه الله.
3) إنكار رؤية الله في الآخرة
زعموا أن المؤمنين لن يَرَوْا ربّهم في الجنّة، وأنّ كلّ النصوص الواردة في ذلك مَجاز.
4) فناء الجنّة والنار
زعم بعضهم أن الجنّة والنار تَفْنَيان، وأن نعيم الجنّة وعذاب النار ليس أبدياً. وهذا قول مخالف لإجماع المسلمين، وقد خصّ شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة الجنّة والنار وفنائهما برسالة مستقلّة.
5) الإيمان مجرّد المعرفة
زعموا أن الإيمان هو مجرّد معرفة الله بالقلب، فلا يدخل فيه القول ولا العمل، ولا يَزيد ولا ينقص. ولازم هذا أن إيمان إبليس كإيمان جبريل، إذ كلاهما يَعرف الله بقلبه! وهذا من أبعد أقوال الفِرَق ضلالاً.
مخالفات تابعة
- إنكار صفة العلوّ، فقالوا: الله ليس فوق ولا تحت ولا في جهة (تعطيل صريح).
الرد العلمي
الجهمية أشدّ المعطّلين تعطيلاً، وعليهم نزل أكبر ردّ من أئمة السنّة. وقد قال جمع من الأئمة بكفرهم لجحدهم أصولاً مجمعاً عليها.
أوّلاً — موقف الإمام أحمد بن حنبل
ألّف الإمام أحمد كتاب «الردّ على الجهمية والزنادقة» وهو من أوائل ما كُتب في الردّ عليهم. ومن أقواله المشهورة (نقلها ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» 1/26):
«الجهمية كفّار، أقتلهم بقولهم لا حدَّ لربّنا ولا صفةَ ولا استواء.»
وقال (في «السنّة» للخلاّل 5/118):
«من قال إن الله لا يَسْمع ولا يُبصر، فهذا كفر بالله.»
ثانياً — موقف الأئمة المتقدّمين
نقل الإمام عبد الله بن أحمد عن أبيه كثيراً من نصوص أئمة السلف في الجهمية، ومنها:
الإمام مالك بن أنس قال (نقله الذهبي في «العلوّ» ص 138): «من قال القرآن مخلوق، يُجلَد ويُحبَس حتى يموت.»
سفيان بن عيينة قال: «القرآن كلام الله، فمن قال مخلوق فقد كفر.»
عبد الله بن المبارك قال: «إن الجهم بن صفوان قد أَلْحَدَ في أسماء الله، فلا تَأْتَمُّوا به.»
الإمام البخاري ألّف «خلق أفعال العباد والردّ على الجهمية»، وفيه (ص 4): «إذا أنكروا الصفات فقد أنكروا الذات، إذ كلّ ذات لها صفات تُمَيّزها، فإذا نُفيت الصفات لم يبقَ شيء يُسَمّى ذاتاً.»
ثالثاً — موقف شيخ الإسلام ابن تيمية
ألّف ابن تيمية كتابه الكبير «بيان تلبيس الجهمية» في عدّة مجلدات، خصّصه لردّ كتاب الرازي «أساس التقديس» ولردّ أصول الجهمية في التأويل. ومن أبرز نصوصه:
في «بيان تلبيس الجهمية» (1/22): «مذهب الجهمية والمعطّلة قائم على ثلاث ركائز: نفي الصفات، تأويل النصوص الواردة فيها، تقديم العقل على النقل. وكلّ هذه الركائز باطلة شرعاً وعقلاً، وإنما هي شُبَه يَنخدع بها من لم يتأمّل.»
المراجع
للتوسّع: «الردّ على الجهمية» للإمام أحمد. «الردّ على الجهمية» للدارمي. «خلق أفعال العباد والردّ على الجهمية» للإمام البخاري. «الإبانة الكبرى» لابن بطّة. «السنّة» للخلّال (5 مجلدات). «العلوّ للعليّ الغفّار» للذهبي. «بيان تلبيس الجهمية» لابن تيمية (10 مجلدات بتحقيق محمد بن عبد الرحمن قاسم). «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية. «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة» لابن القيم. «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطّلة والجهمية» لابن القيم. وللتحقيق المعاصر: «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية» لمحمد البهراوي. «ثبوت صفة العلوّ لله» لعدد من الباحثين.