هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرّة بن كَعب بن لُؤيّ القرشيّ التَّيْميّ. يَلتقي نَسبه بنَسب رسول الله ﷺ في "مُرّة بن كعب".
كنيته: أبو بكر. ولُقّب بـ«الصدّيق» لتصديقه النبي ﷺ في حادثة الإسراء، وبـ«العَتيق» لجمال وجهه.
وُلِد بمكة سنة 51 ق.هـ بعد عام الفِيل بسنتين وسبعة أشهر. كان من أَشراف قريش، وكان يَعمل بالتجارة، عُرف بحُسن الخُلُق والمكانة في قومه.
أوّل الرجال إسلاماً
قال النبي ﷺ: «إنّ أَمَنَّ الناس عليّ في صُحْبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متّخذاً خليلاً لاتّخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكن أُخوّةُ الإسلامِ ومَودّتُه» (صحيح البخاري).
أَسلم أبو بكر يوم بعَث الله نبيّه، فما تَلكّأ ولا تَردّد. وعلى يَديه أَسلم كثير من السابقين الأوّلين: عثمان بن عفان، الزبير بن العوّام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، طلحة بن عبيد الله — وهؤلاء خمسة من العَشرة المبشّرين بالجنّة.
فضائله
- رفيق النبي ﷺ في الهجرة: قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. والصاحب هو أبو بكر.
- خليفة النبي ﷺ في الصلاة: لمّا اشتدّ على النبي ﷺ مَرضه أمر أبا بكر أن يَؤمّ الناس.
- قال ﷺ: «لو كنتُ متّخذاً من أمّتي خليلاً لاتّخذتُ أبا بكر، ولكن صاحبُكم خليلُ الله» (صحيح مسلم).
- مَنزلتُه في القرآن: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40].
كرمه
كان كَريماً جوّاداً. أنفق ماله كلَّه في سبيل الله. لمّا اسْتعدّ المسلمون لغزوة تبوك، جاء عمر بنصف ماله، وجاء أبو بكر بكلّ ماله. فقال له النبي ﷺ: «ما أبقيتَ لأهلك؟» قال: «أبقيتُ لهم الله ورسوله» (سنن الترمذي وحسّنه).
خِلافته
تُوفّي النبي ﷺ يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، فبُويع أبو بكر بالخلافة في سَقيفة بَني ساعدة. كانت خِلافته سنتين وثلاثة أشهر:
إنجازاتُه:
- حروب الرِّدّة: حارب من ارتدّ عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ، فثبّت الدين.
- حرب مانعي الزكاة: قاتل من مَنَع الزكاة، وقال: «والله لو مَنعوني عَناقاً كانوا يُؤدّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتُهم على مَنعها» (متفق عليه).
- جمع القرآن: في خِلافته جُمع القرآن في صُحُف بإشارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد أن استُشهد كثيرٌ من القرّاء في اليمامة.
- بدأ الفتح: جيش أسامة إلى الشام، وفتوح فارس على يد خالد بن الوليد.
وفاتُه
تُوفّي رضي الله عنه يوم الإثنين، في جمادى الأُولى سنة 13هـ، عن 63 سنة (مثل عمر النبي ﷺ). دُفن إلى جوار النبي ﷺ في حُجرة عائشة. وأَوصى أن يَخلُفه عمر بن الخطّاب، وكان يقول: «أمّرتُ عليكم أحدَكم وَلَستُ بخيركم».
دُروس من حياته
- الصُّحبة الصادقة: وقف مع النبي ﷺ في أحلَك الظروف، فاستحقّ الذكر في القرآن.
- اليقين والتصديق: لمّا أُسري بالنبي ﷺ كذّبه قومه، فلمّا قِيل لأبي بكر صدّقه دون تَردّد. فقيل: ولماذا؟ قال: «إنّي لأُصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أُصدّقه في خبر السماء».
- التواضع مع المَنزلة: كان أوّل خليفة، ومع ذلك يقول: «وُلِّيتُكم ولستُ بخيركم».
- الحَسم في الحقّ: حَسم الرِّدة بقوّة، وأنقذ الإسلام من خطر الانهيار بعد وفاة النبي ﷺ.
قصّة مؤثّرة — الصدّيق في الغار
في طريق الهجرة، اختَبأ النبي ﷺ وأبو بكر في غار ثَور ثلاث ليالٍ. اقتفَت قُريش أَثرَهما حتى وَقفت على فم الغار، لو نَظر أحدهم إلى موضع قَدميه لرآهما.
في تلك اللحظة العَصيبة، قال أبو بكر: «يا رسول الله، لو أنّ أَحدهم نَظر تحت قَدميه لأَبصرَنا!»
فأجابه النبي ﷺ بكلمة خَلَّدها القرآن: «ما ظَنُّك يا أبا بكر باثنَيْن، اللهُ ثالِثُهما؟» (متفق عليه).
وأَنزل الله: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
المَوقف العَظيم لم يكن من خَوف على نَفسه، بل خَوفاً على رَسول الله ﷺ. كان يَقول: «والله ما حَزِنْتُ على نَفسي، ولكن خَشيتُ أن يُصيبَك في وَجهي ما أَكره». وهذه الأُخوّة الإيمانية في أَعلى صُوَرها.
اللَّقَب الإلهي: بهذه الصُّحبة الصادقة استَحَقَّ أن يَكون «ثاني اثنَين» في القرآن، شَرَفٌ لم يَنَله صحابيٌّ غَيره.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. فضائل الصحابة للإمام أحمد. سير أعلام النبلاء للذهبي. البداية والنهاية لابن كثير.