النَّسَب والاسم
اسمه عَبد الرَّحمن بن صَخر الدَّوسيّ (وقيل عَبد الله، وقيل غَير ذلك). من قَبيلة دَوس باليَمَن.
كَناه النبيّ ﷺ «أَبو هُرَيرة». والقِصّة كما حَدَّث بنَفسه: كانت له هِرّة صَغيرة يَحملها في كُمِّه، فرَآه النبيّ ﷺ فقال: «ما هذه؟» قال: هُرَيرة. قال: «أنتَ أَبو هُرَيرة». فلَزِمَتْه الكُنية حتى صار هذا اسمه المَعروف.
القِصّة المُؤثِّرة الأولى: الجُوع
كان أَبو هُرَيرة من أَهل الصُّفّة (الفُقَراء الذين يَسكنون في صُفّة المَسجد النَّبَويّ). عاش فَقراً شَديداً.
قال يَحكي عن نَفسه: «والله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأَعتَمد بكَبِدي على الأَرض من الجُوع، وإن كنتُ لأَشُدّ الحَجَر على بَطني من الجوع. ولقد قَعَدتُ يَوماً على طَريقهم الذي يَخرُجون منه، فمَرَّ أَبو بَكر فسَأَلتُه عن آيَة من كِتاب الله، ما سَأَلتُه إلا ليَستَتبعَني (يَدعوني للطَّعام)، فمَرَّ ولم يَفعَل. ثم مَرَّ عمر، فسَأَلتُه عن آية، ما سَأَلتُه إلا ليَستَتبعَني، فمَرَّ ولم يَفعَل. ثم مَرَّ بي أَبو القاسم ﷺ، فتَبَسَّم حين رآني، وعَرَف ما في نَفسي وما في وَجهي، ثم قال: يا أَبا هِرّ، قلتُ: لَبَّيك يا رَسول الله. قال: الحَق، ومَضى. فاتَّبَعتُه. فدَخَل، فاستَأذَن، فأَذِن لي، فدَخَلتُ. فوَجَد لَبَناً في قَدَح، فقال: من أَين هذا اللَّبَن؟ قالوا: أَهداه لك فُلان. فقال: يا أَبا هِرّ، قلتُ: لَبَّيك يا رَسول الله. قال: الحَق إلى أَهل الصُّفّة فادعُهم لي».
ثم يَحكي قِصّة عَجيبة: كان عَدَدهم أَكثَر من قَدَح اللَّبَن، فأَمَره النبيّ ﷺ بإعطائهم. فأَعطاهم واحداً واحداً، وكلّ يَشرَب حتى يَرتَوي، ثم يَردّ إليه القَدَح. وأَبو هُرَيرة في نَفسه يَقول: «وأَين بَلاغ هذا اللَّبَن؟ أَرجو أن أَلقاه فيَسعَني!»
فلمّا انتَهى الجَميع من الشُّرب، قال له النبيّ ﷺ: «يا أَبا هِرّ، اقعُد فاشرَب». فقَعَد فشَرِب، فقال له: «اشرَب»، حتى قال: «والذي بَعَثَك بالحَقّ، ما أَجد له مَسلكاً»! ثم شَرِب النبيّ ﷺ ما بَقي.
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: حِفظ السُّنّة
كان أَبو هُرَيرة قَد لَزِم النبيّ ﷺ مُلازمة لم يَلزَمها كَثير من الصَّحابة. ولم يَكن مَشغولاً بتِجارة كأَكثَر المُهاجِرين، ولا بضَيعَة كأَكثَر الأَنصار. فجَمَع من حَديث رَسول الله ﷺ ما لم يَجمَعه أَحَد.
روى عنه أَكثَر من 800 رَجُل من الصَّحابة والتابعين. وفي الكُتُب التِّسعة عنه قُرابة 5,374 حَديثاً، وهو أَكثَر الصَّحابة رِواية على الإطلاق.
قال هو عن نَفسه: «يَقولون: إنّ أَبا هُرَيرة قد أَكثَر الحَديث. والله المَوعِد. وأَقول: إنّ إخوانَنا من المُهاجِرين كان يَشغَلهم الصَّفق بالأَسواق، وكان إخوانُنا من الأَنصار يَشغَلهم العَمَل في أَموالهم، وكان أَبو هُرَيرة يَلزَم رَسول الله ﷺ على مِلء بَطنه، فيَشهَد ما لا يَشهَدون، ويَحفَظ ما لا يَحفَظون» (صحيح البخاري).
دَعوة النَّبيّ ﷺ له
شَكا أَبو هُرَيرة يَوماً إلى النبيّ ﷺ النِّسيان. فقال له: «ابسُط رِداءك». فبَسَطه. فحَدَّثه ﷺ حَديثاً كَثيراً، ثم قال: «ضُمَّه». فضَمَّه إلى صَدره. قال أَبو هُرَيرة: «فما نَسيتُ بَعدها شَيئاً» (صحيح البخاري).
ودَعا له النبيّ ﷺ ولأُمّه أن يُحَبِّبَهما الله إلى عِباده المُؤمنين، وأن يُحَبِّب إليهما المُؤمنين. وقد استُجيب دُعاؤه، فإنّه ما من مُؤمن إلا ويُحبّ أَبا هُرَيرة.
القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: إسلام أُمّه
كانت أُمّه مُشركة، وكان أَبو هُرَيرة يَدعوها إلى الإسلام، فتَأبى وتَسبّ النبيّ ﷺ. فأَتى النبيّ ﷺ يَوماً يَبكي، وقال:
> «يا رَسول الله، إنّي كنتُ أَدعو أُمّي إلى الإسلام، فتَأبى علَيّ. فدَعَوتُها اليَوم، فأَسمَعَتني فيك ما أَكره. فادعُ الله أن يَهدي أُمَّ أَبي هُرَيرة».
فقال النبيّ ﷺ: «اللهمّ اهدِ أُمَّ أَبي هُرَيرة».
فخَرَج أَبو هُرَيرة فَرِحاً بدَعوة النبيّ ﷺ. فلمّا جاء البَيت ووَجَد الباب مَردوداً، سَمِع أُمّه تَقول: «يا أَبا هُرَيرة، مَكانَك» — كَلِمة تَقولها قَبل أن تَخرج، حتى تَستر نَفسها. فلمّا فَتَحت قالت:
> «أَشهد أن لا إله إلا الله، وأَشهد أنّ مُحمّداً عَبدُه ورَسولُه».
فعاد أَبو هُرَيرة إلى النبيّ ﷺ يَبكي فَرَحاً، وقال: «يا رَسول الله، أَبشِر، قد استَجاب الله دَعوَتك، وهَدى أُمّ أَبي هُرَيرة». فحَمِد الله النبيّ ﷺ وأَثنى عليه، وقال خَيراً.
ثم قال أَبو هُرَيرة: «يا رَسول الله، ادعُ الله أن يُحَبِّبَني أنا وأُمّي إلى عِباده المُؤمنين، ويُحَبِّبَهم إلَينا». فقال ﷺ: «اللهمّ، حَبِّب عُبَيدَك هذا — يَعني أَبا هُرَيرة — وأُمَّه إلى عِبادك المُؤمنين، وحَبِّب إليهما المُؤمنين». فقال أَبو هُرَيرة: فما خُلق مُؤمن يَسمَع بي ولا يَراني إلا أَحَبَّني (صحيح مسلم).
أَبو هُرَيرة بَعد النَّبيّ ﷺ
تَولّى إمارة المَدينة في عَهد عمر فترةً. وأَصبَح من كِبار العُلَماء يَستَفتيه النّاس.
كان كَثير الذِّكر والتَّسبيح، يَقول: «إنّي لأَستَغفر الله وأَتوب إليه في اليَوم اثنَي عَشَر أَلف مَرّة».
وكان حَريصاً جدّاً على نَقل العِلم. عاش حتى تَوُفّي بالمَدينة سنة 57 هـ، ودُفن بالبَقيع.
دُروس من حَياته
1) الفَقر لا يَمنَع العَطاء
كان أَبو هُرَيرة فَقيراً مَدْقَع الفَقر، لكنّ الله أَعطاه أَفضَل من الذَّهَب: 5000 حَديث يَنفَع بها المُسلمون إلى يَومنا هذا. فالنّافِع هو ما يَبقى بَعد المَوت.
2) المُلازمة طَريق العِلم
لم يَكن أَكثَر مِنهم ذَكاءً، لكنّه أَكثَرهم مُلازمة للنبيّ ﷺ. والعِلم يُنال بالمُلازمة لا بالمُجاوَرة.
3) دَعوة الوالِدَين أَسبق من نُصرتهم
قَبل أن يَيأَس أَبو هُرَيرة من أُمّه، دَعا لها. وما من قَلب أَغلَق على الإيمان إلا فَتَحه دُعاء الصالحين.
4) صِدق الإخلاص يُحَبِّب
الذي يَعمَل لله، يُحَبِّبه الله إلى الناس بدون أن يَطلُب ذلك. أمّا الذي يَعمَل للنّاس، فيُسقطه الله من قُلوبهم.
5) أَهل العِلم وَرَثة الأَنبياء
حَفظ أَبو هُرَيرة كَلام النبيّ ﷺ، فحَيا بَعد مَوته في كلّ كِتاب حَديث. «إنّ العُلماء وَرَثة الأَنبياء» (سنن أبي داود وحسّنه ابن حجر).
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء للذهبي. الإصابة لابن حجر.