النَّسَب
هي أَسماء بنت أَبي بَكر الصِّدّيق بن أَبي قُحافة، وأُمّها قُتَيلة بنت عَبد العُزّى (مُشركة، تَزَوَّج بها أَبو بَكر في الجاهليّة، طَلَّقها قَبل الإسلام).
أُختها عائشة أمّ المُؤمنين من أُمّ أُخرى. وُلِدَت قَبل عائشة بـ10 سَنوات. وزَوجها الزُّبَير بن العَوّام، أَحَد العَشَرة المُبَشَّرين بالجنّة. وأَنجَبَت عَبد الله بن الزُّبَير أَوَّل مَولود وُلِد في الإسلام بَعد الهِجرة.
أَسلَمَت قَديماً، كانت السابعة عَشرة في الإسلام.
القِصّة المُؤثِّرة الأُولى: ذات النِّطاقَين
في لَيلة الهِجرة، خَرَج النَّبيّ ﷺ وأَبو بَكر متَخَفِّيَين إلى غار ثَور. وكانت أَسماء قد جَهَّزَت لهما الزّاد والماء.
لمّا جاء وَقت إيصال الطَّعام إلى الغار، لم تَجِد ما تَربط به السُّفرة وقِربة الماء. فأَخرَجَت نِطاقها (حِزامها)، فشَقَّته نِصفَين: شَقّ رَبَطَت به السُّفرة، وشَقّ رَبَطَت به القِربة.
فلمّا رَجَعَت إلى النَّبيّ ﷺ بَعد ذلك، قال لها: «أَبدَلَك الله بنِطاقكِ نِطاقَين في الجنّة». ومنذ ذلك اليَوم، صار لَقَبها «ذات النِّطاقَين».
كانت في تلك اللَّيلة حاملاً بعَبد الله بن الزُّبَير، فحَمَلَت ثِقَل الجَسَد وثِقَل الزّاد، وحَمَلَت ثِقَل الخَوف على أَبيها وعلى نَبيّها — كل ذلك في عُمر الشَّباب.
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: أَبو جَهل يَلطمها
لمّا خَرَج النَّبيّ ﷺ وأَبو بَكر، عَلِم المُشركون. فجاء أَبو جَهل ومَعه نَفَر من قُرَيش إلى بَيت أَبي بَكر، فطَرَقوا الباب، فخَرَجَت أَسماء.
سأَلها أَبو جَهل: «أَين أَبوكِ؟» قالت: «ما أَدري والله أَين أَبي».
فرَفَع يَده الخَبيثة ولَطَمها لَطمة شَديدة، حتى طَرَح قُرطها من أُذُنها.
ولكنّها — وهي شابّة صَغيرة بنت 27 سَنة — لم تُفصح عن مَكان أَبيها. صَبَرَت على اللَّطم، وحَمَت سِرّ الهِجرة، وحَفِظَت أَمن أَبيها ونَبيّها.
مَوقفها مع أُمّها المُشركة
في صُلح الحُدَيبية، قَدِمَت أُمّها قُتَيلة (المُشركة) إلى المَدينة تَطلب صِلَتها. ترَدَّدَت أَسماء: هل تَصلها وهي مُشركة؟ فسأَلَت النَّبيّ ﷺ، فأَنزَل الله الآية:
> ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8].
فأَمَرَها ﷺ أن تَصِل أُمّها بالمال والكِسوة، وإن كانت مُشركة. فبِرّ الوالِدَين قائم ولَو على دِين غَير الإسلام، طالما لم يَكونوا في حَرب مع المُسلمين.
القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: مَوت ابنها عَبد الله
ابنها عَبد الله بن الزُّبَير صار خَليفة لمَكّة في زَمَن الفِتنة بَين بَني أُمَيّة. حاصَره الحَجّاج بن يوسف الثَّقَفي بأَمر من عَبد المَلك بن مَروان. اشتَدّ الحِصار، وضاق الأَمر بعَبد الله.
ذَهَب إلى أُمّه أَسماء — وكانت قد بَلَغَت مئة سَنة وفَقَدَت بَصَرها — يَستَشيرها. قال لها:
> «يا أُمّاه، خَذَلَني الناس حتى أَهلي ووَلَدي، فلم يَبقَ مَعي إلا اليَسير، والقَوم يُعطونني ما أَشاء من الدُّنيا، أَفأَنزل على حُكمهم؟»
فأَجابَته أَسماء وهي العَجوز الكَفيفة قَولها الخالد:
> «يا بُنَيّ، إنّ كنتَ على حَقّ وتَدعو إلى حَقّ، فامْضِ له، فقد قُتِل علَيه أَصحابك. ولا تُمَكِّن من رَقَبَتك تَلعَب بها غِلمان بَني أُمَيّة. وإن كنتَ أَرَدتَ الدُّنيا فبئس العَبد أنتَ، أَهلَكتَ نَفسَك وأَهلَكتَ مَن قُتِل مَعك. وإن قُلتَ: كنتُ على حَقّ، فلمّا وَهَن أَصحابي ضَعُفت، فهذا ليس بفِعل الأَحرار ولا أَهل الدِّين، وكَم خُلودَك في الدُّنيا؟ القَتل أَحسَن».
فقَبَّل عَبد الله رأسها وقال: «والله يا أُمّاه، هذا رَأيي، والله ما رَكَنتُ إلى الدُّنيا، ولا أَحبَبتُ الحَياة فيها، وما خَرَجتُ إلا غَضَباً لله، ولكنّي أَحبَبتُ أن أَعلَم رأيكِ، فقد قَوَّيتِني».
ثم خَرَج، فقاتل حتى قُتِل. صَلَّبه الحَجّاج على باب مكّة.
ذَهَبَت أَسماء إلى الحَجّاج، فقالت له: «أَما آن لهذا الراكب أن يَنزل؟». فأَنزله ودَفَنَته.
ولَقِيَها الحَجّاج بَعد ذلك متَكَبِّراً، فقال: «كَيف رَأَيتِ ابنَك؟» فقالت: «رَأَيتُكَ أَفسَدتَ علَيه دُنياه، وأَفسَدَ علَيك آخِرتَك. وقد أَخبَرَنا رَسول الله ﷺ أنّ في ثَقيف كَذّاباً ومُبيراً، فأمّا الكَذّاب فقَد رَأَيناه (يَعني المُختار بن أَبي عُبَيد)، وأمّا المُبير فلا أَخالك إلا إيّاه».
وَفاتها
ماتَت أَسماء بَعد ابنها بأَيّام قَلائل، تَأَسُّفاً عليه، سنة 73 هـ، وقَد بَلَغَت مئة سَنة، ولم تَسقُط لها سِنّ واحدة، ولم يَنقُص عَقلها.
دُروس من حياتها
1) شَجاعة المرأة في حِفظ الأَسرار
شابّة صَغيرة لُطِمَت لَطماً يَشُجّ، فما باحَت بسِرّ. الكَتمان فَضيلة عَزيزة لا يَملِكها إلا أَهل الإيمان.
2) العِبادة لا تُعَطِّلها الجَسَد
حامِل، تَتَسَلَّق إلى غار ثَور بالطَّعام والماء، فلا يَمنَعها حَملها من خِدمة دِين الله. النَّفس الصادقة تَتجاوز قُيود الجَسَد.
3) الإسلام يَأمر ببِرّ الوالِدَين ولو كانا مُشركَين
أَجاز لها النَّبيّ ﷺ صِلة أُمّها المُشركة. الدِّين أَصل بِرّ الوالِدَين، لا يُسقطه الاختِلاف في الدِّين.
4) الأُم تَصنَع الأَبطال
لمّا تَردَّد عَبد الله، ثَبَّتَته أُمّه ورَفَعَت هِمَّته. القَبر تَصنَعه نَفسك، والذِّكرى يَصنَعها مَن خَلفَك.
5) صَلاحة الذِّكر بَعد المَوت
أَسماء عاشَت مئة سَنة كاملة، آخِرها بَعد قَتل ابنها أَيّاماً قَلائل. مات ابنها مَيتة الشُّهَداء، وماتَت هي مَوت الصالحات. وما يَزال ذِكرهما مَرفوعاً.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء للذهبي. الإصابة لابن حجر.