سير الصحابة

بِلال بن رَباح رَضي الله عَنه — مُؤذِّن الإسلام

العَبد الحَبَشيّ الذي قَلَب التَّعذيب إلى صَبر، فصار صَوتُه أَوّل صَوت ارتَفع بالأَذان في الإسلام.

النَّسَب والمولد

هو بِلال بن رَباح الحَبَشيّ، مَولى أَبي بَكر الصِّدّيق رَضي الله عنهما. كانت أُمّه «حَمامة» من سَبايا الحَبَشة. وُلِد بمكّة، ونَشأ عَبداً مَملوكاً لأُمَيّة بن خَلَف الجُمَحيّ، أَحَد رُؤوس الكُفر.

القِصّة المُؤثِّرة: «أَحَدٌ أَحَد»

لمّا بَلَغ أُمَيَّة بن خَلَف أنّ بِلالاً قَد أَسلَم، أَخرَجه إلى رَمضاء مكّة في حَرّ الظَّهيرة، وأَلقاه على ظَهره في الرَّمل المُحرِق، ثم أَمَر بصَخرة عَظيمة فوُضِعَت على صَدره، ثم قال له:

> «لا تَزال هكذا حتى تَموت أَو تَكفر بمحمد، وتَعبد اللاتَ والعُزّى».

فكان بِلال — والحجارة تَحرق ظَهره، والصَّخرة تَهرس صَدره — يَقول كلمةً واحدةً تَخرج من أَعماق قَلب مُؤمن بربّه:

> «أَحَدٌ... أَحَدٌ...»

كَلِمة واحِدة، اخْتَصَرَت بها الإيمان كلّه: ربّي واحِد، لا أُشرك به شَيئاً، ولا أَعبد إلا إيّاه.

ومَرّ به أَبو بَكر يَوماً وهو يُعَذَّب، فقال لأُمَيّة: «ألا تَتَّقي الله في هذا المِسكين؟ حتى متى؟» فقال أُمَيّة: «أنتَ أَفسَدتَه، فأَنقِذه ممّا تَرى». قال أبو بكر: «أَفعَل، عِندي غُلام أَسوَد، أَجلَد منه وأَقوى على دِينك، أُعطيكه به». فأَعطاه واشتَرى بِلالاً، فأَعتَقه (صحيح البخاري).

أَوّل مُؤذِّن في الإسلام

لمّا شُرِع الأَذان بَعد الهِجرة، اخْتار النبيّ ﷺ بِلالاً ليَكون أَوّل من يُؤذِّن للصَّلاة. كان صَوته جَهيراً نَدِيّاً، يَصدَح بـ«الله أَكبر، الله أَكبر» فوق المسجد النَّبَويّ، فيَهتَزّ لها قَلب المَدينة.

وقال له النبيّ ﷺ: «يا بِلال، حَدِّثني بأَرجى عَمَل عَملتَه في الإسلام، فإنّي سَمعتُ دَفَّ نَعلَيك بَين يَدَيّ في الجنّة». قال بِلال: «ما عَمِلتُ عَمَلاً أَرجى عِندي من أنّي لا أَتطَهَّر طَهوراً تامّاً في ساعة من ليل أَو نَهار، إلا صَلَّيتُ بذلك الطَّهور ما كُتِب لي أن أُصَلّي» (متفق عليه).

بَعد وَفاة النَّبيّ ﷺ

لمّا مات النبيّ ﷺ، لم يَستَطع بِلال الأَذان. كان يَبدأ: «الله أكبر، الله أكبر»، فإذا بَلَغ «أَشهَد أنّ مُحمّداً رَسول الله»، انخَنَق صَوته بالبُكاء، ولم يَستطِع إكمال الأَذان.

فاستَأذَن أَبا بَكر في الخُروج إلى الشّام مُرابِطاً، فأَذِن له. وبَقي في الشّام يُجاهد ولا يُؤذّن.

آخِر أَذان لبِلال

في خِلافة عمر، قَدِم بِلال مع جَيش لزِيارة المَدينة. فاجتَمع إليه الصَّحابة وألَحّوا عليه أن يُؤذِّن لهم، فكَره ذلك. ثم رَجَوه ابنا فاطمة (الحَسَن والحُسَين رَضي الله عنهما)، فأَجابهما لمَكانهما من النَّبيّ ﷺ.

فلمّا صَعِد المَنارة وأَذَّن، انخَنَقت أَصوات النّاس بالبُكاء، وخَرَجت العَواتق من خُدورهنّ، وما رُئيَ يَومٌ أَكثر باكِياً وباكِية في المَدينة من ذلك اليَوم. كأنّهم تَذَكَّروا أَيّامهم مع رَسول الله ﷺ.

وَفاتُه

تُوُفِّي بِلال في الشّام (في دِمَشق على الراجح)، وعِندَ مَوته جَعَلَت زَوجَته تَقول: «واحَزناه، واحَزناه»، فقال بِلال يَنظر إلى السّماء ووَجهه يَتهَلَّل: «واطَرَباه! غَداً أَلقى الأَحبَّة، مُحمّداً وحِزبَه».

دُروس من حياته

1) قُوّة العَقيدة لا تُقاس بالقُوّة الجَسَديّة

عَبد ضَعيف الجِسم، لكنّ إيمانه قَلَب الصَّخرة التي على صَدره إلى مَجد لا يَنسى. الإيمان قُوّة لا تُكَسَّر بالحَديد.

2) الإسلام لا يُفَرِّق بَين الأَلوان والأَجناس

بِلال الحَبَشيّ وَلِيُّ الله، صار سَيّداً من ساداتنا. قال عمر: «أَبو بكر سَيِّدُنا، وأَعتَق سَيِّدَنا» (يَعني بِلالاً).

3) المُؤمن يَتَطَهَّر لا للصَّلاة فقط

بل لكلّ ساعة من حَياته. فأَرجى أَعمال بِلال لم يَكن جِهاداً ولا أَذاناً، بل مُداومَته على الطَّهارة والصَّلاة بَعدها.

4) الحَنين إلى أَهل الإيمان

ما تَرَك بِلال الأَذان كِبراً ولا كَسَلاً، بل لأنّه ما كان يَستطيع أن يَذكُر اسم الحَبيب ﷺ بَعد فِراقه إلا بُكاءً.

5) أَجمل ما يَقوله المَوت

«غَداً أَلقى الأَحبَّة». مَن جَعل الآخرة هَمَّه، لم يَخَف من المَوت، بل اشتاق إليه شَوقَه إلى لِقاء أَحبابه.

المراجع والمصادر

صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء للذهبي. الإصابة لابن حجر.