وَقع فَتح مكة المُكَرَّمة في 20 رَمضان من السَّنة الثامنة للهجرة (630م). سَمّاه الله «الفَتح» بإطلاق، دلالةً على عَظمته. نَزلت فيه سورة النَّصر كلّها.
السبب المباشر
كان بَين قُريش والمسلمين هُدنة عَشر سنين بحَسَب صُلح الحُديبية. فدَخلت خُزاعة في عَهد النبي ﷺ، ودَخلت بَنو بَكر في عَهد قُريش. ثم اعْتدت بنو بكر على خُزاعة بمساعدة قريش (نَقضاً للصُّلح).
طَلب النبي ﷺ من قُريش ثَلاثاً: إمّا أن يَدفعوا دِيات قَتلى خُزاعة، أو يَتبرَّؤوا من بني بكر، أو يَنقضوا الصُّلح. فاختاروا الخيار الثالث، ثم نَدِموا.
أَرسلت قُريش أبا سفيان إلى المدينة يُجدّد العَهد. لكنّ النبي ﷺ كان قد تَجاوز ذلك. ولمّا عَلم أبو سفيان بحَجم الجيش الذي يُعدّه النبي ﷺ، خَرج خائفاً.
الإعداد والكِتمان
أَعدّ النبي ﷺ جَيشاً كَبيراً سرّاً. دَعا الله: «اللهم خُذ على قريش الأَخبار حتى نَبْغَتَهم في بِلادهم». ثم خَرج بـ 10,000 مُقاتل.
اكْتُشف أَمر حاطب بن أبي بَلْتَعة الذي كَتب رسالة إلى قُريش يُخبرهم. فبعَث النبي ﷺ علياً والزُّبَير فوَجدا الكتاب مع امرأة في طَريقها إلى مكة. فاسْتَدعى ﷺ حاطباً فاعتَذر. غَفر له النبي ﷺ بسبب شُهوده بَدراً.
دُخول مكّة
وَصل النبي ﷺ مكة دون قِتال يُذكَر. اعتَنق أبو سفيان الإسلام في الطريق (مع العباس عَمّ النبي ﷺ). وأَعلن النبي ﷺ:
- مَن دَخل بَيت أبي سفيان فهو آمن.
- مَن أَغلق بابه فهو آمن.
- مَن دَخل المسجد فهو آمن.
التَّواضع في النَّصر
دَخل النبي ﷺ مكة على راحلته، مُطأطئاً رأسَه حتى كادت لِحيتُه أن تَمسّ الرَّحْل، تَواضعاً لله ﷻ. كان يَقرأ سورة الفتح. هذه أحَد أعظم لحَظات التواضع في التاريخ.
تَحطيم الأَصنام
دَخل البيت الحَرام، فطاف بالكَعبة على راحلته، وقد كان حَولها 360 صَنماً. فأَخذ يَدفعها بمِخْصَرَته ويَتلو: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
ثم دَخل الكَعبة فأَمر بإخراج الصُّوَر منها (كانت فيها صُوَرٌ من بَقايا الديانات السابقة). وصَلَّى فيها.
الخُطْبة العَظيمة
ثم خَرج إلى أهل مكة، وكانوا مُحتشِدين يَنتظرون مَصيرهم. كان يَستطيع أن يَنتقم من كلّ من عَذّبه وعَذّب أصحابه ثلاث عشرة سنة. فقال ﷺ:
«يا مَعشَر قُريش، ما تَرَوْن أنّي فاعِلٌ بكم؟»
قالوا: «خَيراً، أخٌ كَريم وابن أَخٍ كَريم».
فقال ﷺ: «اذهَبوا فأَنتم الطُّلَقاء» (السيرة لابن هشام).
عَفا عن:
- أبي سفيان زَعيم قُريش الذي حاربه.
- هِنْد التي أَكلت كَبد عَمّه حَمزة.
- عِكْرمة بن أبي جَهل ابن أَلَدّ أَعداء الإسلام.
- صَفوان بن أُمَيّة الذي حاربه.
- وَحْشي الذي قَتل حَمزة.
مَن لم يَشمَلهم العَفو
استَثنى النبي ﷺ نَفراً قَليلاً (نحو 10) من المُجرمين الذين كانوا قد ارْتَكبوا جَرائم استَوجبت العقوبة، وأَمر بقَتلهم ولو وُجدوا تحت أَستار الكَعبة. لكنّ أكثرَهم أَسلموا فأَمَّنهم.
الإقامة بمكة
أقام النبي ﷺ بمكة 19 يَوماً، يُبَيّن للناس الإسلام. أرسل سَرايا إلى الأَصنام في المنطقة فحطَّمها. ودَخل الناس في دين الله أفواجاً.
ثم رَجع إلى المدينة، إذ هي دار هِجرته. قال ﷺ: «لا هِجرة بعد الفَتح» (متفق عليه) — أي لا هجرة من مكة بعد فتحها.
نَتائج الفَتح
- انْكِسار قَلب الكُفر: قُريش كانت قَلب المُقاومة، فلَمّا انْكَسرت دَخلت العَرب أَفواجاً.
- انْتشار الإسلام: قَبل الفَتح كان عدد المُسلمين عَشرة آلاف، بعد سَنة من الفَتح صار مَئة ألف.
- تَطهير البَيت العَتيق: من الأَصنام بَعد آلاف السنين.
- رَحمة بدلاً من انتقام: غَيَّر فَهم العَرب لمعنى النَّصر.
نُزول سورة النَّصر
نَزلت بعد الفَتح: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۖ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
الدروس
- العَفو عند المَقدرة: يَوم الفتح أعظم دَرس في العَفو في التاريخ.
- التَّواضع في النَّصر: لم يَدخل مَكّة فاتحاً مُتكبّراً، بل مُتطأطئاً.
- المنهج الإسلامي في الحرب: قاتل من حاربه فقط، وعَفا عمّن استَسلم.
- أنّ الفَتح الحقيقي هو فَتح القلوب: انتَصر بالأَخلاق قَبل السيف.
- الكَلِمة الواحدة قد تَحوي تاريخاً: «اذهبوا فأَنتم الطُّلَقاء» — أرحم كَلمة قِيلت في فَتح في التاريخ.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سيرة ابن هشام. الرحيق المختوم.