النَّسَب والمَولد
هي فاطِمة بنت رَسول الله مُحمّد ﷺ، أُمّها خَديجة بنت خُوَيلد أمّ المُؤمنين. وُلِدَت قَبل البَعثة بسَنوات قَلائل، وعاشَت طُفولتها في كَنَف أَبيها وأُمّها.
كانت أَصغَر بَنات النَّبيّ ﷺ، وأَحَبَّهنّ إليه. قال ﷺ: «فاطِمة بَضْعَة مِنّي، فمَن أَغضَبَها أَغضَبَني» (متفق عليه).
القِصّة المُؤثِّرة الأُولى: السَّلا على ظَهر النَّبيّ ﷺ
كانت فاطِمة لا تَزال صَغيرة في مكّة، حين كان أَبوها يُعاني من أَذى المُشركين. خَرَج النَّبيّ ﷺ يَوماً يُصَلّي عند الكَعبة، فاجتَمع عليه أَبو جَهل وأَصحابه، فقال أَبو جَهل: «أَيُّكم يَجيء بسَلا جَزور بَني فُلان فيَضَعه على ظَهر مُحَمَّد إذا سَجَد؟» فانبَعَث أَشقاهم عُقبة بن أَبي مُعَيط، فجاء بالسَّلا (أَمعاء البَعير ودَمه)، فلمّا سَجَد النَّبيّ ﷺ وَضَعَه بَين كَتفَيه. فضَحِك المُشركون حتى مال بَعضهم على بَعض.
والنَّبيّ ﷺ ساجد لا يَرفَع رأسه، حتى جاءَت فاطِمة الصَّغيرة، فأَزالَت السَّلا عن ظَهره، وأَقبَلَت على المُشركين تَسبّهم. ثم قام ﷺ، فدعا على رُؤوس قُرَيش بالقَتلة في بَدر، فاستَجاب الله دَعوته (صحيح البخاري).
كانت طِفلة صَغيرة، لكنّها وَقَفَت بشَجاعة أَمام أَكابر قُرَيش. قال ﷺ: «اللهمّ علَيك بقُرَيش» ثَلاثاً، فقالت قُرَيش: «انتَهى الأَمر، استَجاب لها الله».
زَواجها من علي رَضي الله عنه
تَقَدَّم لها أَبو بَكر وعمر يَخطبانها، فاعتَذَر النَّبيّ ﷺ. ثم تَقَدَّم لها علي بن أَبي طالب، فقَبِلَ النَّبيّ ﷺ. كان عُمرها 18 سَنة، وعَلِيّ 21.
كان مَهرها بَسيطاً جدّاً: دِرع الحُطَمية التي باعها علي ليَدفع منها مَهرها (طبقات ابن سعد). فما أَجمَل بَيتاً قام على الزُّهد والكَفاف!
دَخَلَت بَيت زَوجها، فلم تَجد فيه إلا فِراشاً من جِلد كَبش، ووِسادة من ليف، ورحى وقربة وجَرّة من فَخّار. هذا كل ما في بَيت ابنة رَسول الله ﷺ.
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: التَّسبيح بَدَل الخادم
اشتَكَت فاطِمة إلى النَّبيّ ﷺ ما تَلقاه من تَعَب الطَّحن والخِدمة، وسَأَلَته خادِماً مما أُتي إليه من السَّبي. فأَتَتْه ولم تَجدْه، فتَركَت رِسالةً عند عائشة. لمّا رَجَع ﷺ، أَخبَرَته عائشة، فجاء ﷺ إلى بَيت فاطِمة في الليل، حتى وَجَدَهما وقد أَخَذا مَضاجعهما، فذَهَبا ليَقوما، فقال:
> «مَكانَكما».
ثم جَلَس بَينهما، حتى وَجَد بَرد قَدَمَيه على صَدورهما. ثم قال:
> «أَلا أُخبِركما بخَير مما سَأَلتُماني؟ إذا أَخَذتُما مَضاجعكما، فكَبِّرا الله أَربعاً وثَلاثين، واحمَداه ثَلاثاً وثَلاثين، وسَبِّحاه ثَلاثاً وثَلاثين. فهو خَير لكما من خادم» (متفق عليه).
كانت تَتمَنّى راحة جَسد، فأَعطاها زاد قَلب يَنفعها في الدُّنيا والآخرة.
القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: شَبَهها بأَبيها
قالت عائشة: «ما رَأَيتُ أَحَداً أَشبَه سَمتاً ودَلّاً وهَدْياً برَسول الله ﷺ، في قِيامها وقُعودها، من فاطِمة. كانت إذا دَخَلَت عليه قام إليها، فأَخَذ بيَدها، وقَبَّلها، وأَجلَسها في مَجلسه» (الترمذي وصحّحه ابن حجر).
كانت تَدخل، فيَقوم النَّبيّ ﷺ — وهو سَيّد العالَمين — إليها، يُعَظِّمها، يُقَبِّل يَدها، ويُجلسها مَكانه. هذا قَدر فاطِمة عند أَبيها ﷺ.
القِصّة المُؤثِّرة الرابعة: حُزنها على أَبيها
في مَرض مَوت النَّبيّ ﷺ، أَسَرَّ إليها بحَديث، فبَكَت. ثم أَسَرَّ إليها بحَديث آخر، فضَحِكَت.
فلمّا تُوُفّي، سَأَلَتها عائشة: ما الذي قاله لكِ؟
قالت فاطِمة: «أَخبَرَني بأنّ جِبريل كان يُعارضه بالقرآن في كل سَنة مَرّة، وأنّه عارَضه به العام مَرَّتَين. وقال: لا أَرى الأَجل إلا قد اقتَرَب، فاتَّقي الله واصبري، فإنّي نِعم السَّلَف لكِ. فبَكَيتُ. ثم قال: أَلا تَرضَين أن تَكوني سَيّدة نِساء أَهل الجنّة؟ فضَحِكتُ» (متفق عليه).
القِصّة المُؤثِّرة الأَخيرة: لَحاقها بأَبيها
لم تُطِق فاطِمة فِراق أَبيها. عاشَت بَعده سِتّة أَشهُر فقط. حَزِنَت عليه حُزناً عَظيماً، حتى ظَنَّ مَن يَراها أنّها سَتَموت من الحُزن.
تُوُفِّيَت لَيلاً سنة 11 هـ، ودَفَنها زَوجها علي رَضي الله عنه في البَقيع، في اللَّيل، تَنفيذاً لوَصيَّتها أن لا يَراها أَحَد.
كانت أَوَّل مَن لَحِق برَسول الله ﷺ من أَهل بَيته، تَصديقاً لِما أَخبَرَها به ﷺ.
دُروس من حَياتها
1) شَجاعة الصَّغيرة لا تُقاس بالحَجم
طِفلة صَغيرة وَقَفَت أَمام أَكابر قُرَيش لتَنصُر أَباها. الإيمان شُجاعة في القَلب لا في الجَسَد.
2) السَّعادة في الذِّكر لا في الراحة
طَلَبَت خادِماً، فأَعطاها أَبوها ﷺ وِرداً من الذِّكر. مَن وَجَد الراحة في ذِكر الله، استَغنى عن كل خادم.
3) الزُّهد ميراث النُّبُوّة
ابنة رَسول الله ﷺ في بَيت لا فيه إلا فِراش جِلد ورَحى. والذي عَرَف الله، اسْتَغنى عن كَثير ممّا يَطلُبه الناس.
4) شَوق المُؤمن إلى لِقاء الله
عاشَت سِتّة أَشهر فقط بَعد أَبيها، شَوقاً إلى لِقائه. الحَزن النَّبيل لا يَكون على فَوات الدُّنيا، بل على فَوات الأَحبّة في الله.
5) سَيّدة نِساء العالَمين
بَشَّرها النَّبيّ ﷺ أنّها سَيّدة نِساء أَهل الجنّة. وكفى بذلك مَجداً وشَرَفاً، يَفوق كل مَجد دُنيوي.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء للذهبي. الإصابة لابن حجر.