وَقع صُلح الحُديبية في ذي القَعدة من السَّنة السادسة للهجرة (628م). سَمّاه الله «فَتحاً مُبيناً» قَبل أن يَتبيّن للناس فَضله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].
رؤيا النبي ﷺ
رَأى النبي ﷺ في المنام أنه دَخل البيت الحَرام مُحَلِّقاً ومُقَصِّراً. فأَخبر أصحابه، فاستَبشروا بالعُمرة. خَرج بـ 1,400 من الصحابة مُحْرِمين، يَسوقون الهَدي، لا يَحملون من السلاح إلا السيوف في القُرْب — دلالةً على أنه قاصدٌ العُمرة لا القتال.
سَدّ قُريش الطريق
علمت قُريش بالأَمر، فقَرَّروا مَنعهم من البيت. أَرسلوا خالد بن الوليد بـ 200 فارس ليَصُدّوهم. فأخذ النبي ﷺ طَريقاً وَعِراً غير معروف، حتى وَصل إلى الحُديبية (مكان قَريب من مكة).
بَركة بئر الحُديبية
لمّا نَزلوا الحُديبية، شَكوا من قِلّة الماء. فأَخذ النبي ﷺ سَهماً من كِنانته فأَلقاه في البئر، فجَاش الماء حتى ارْتَوى الناس ودَوابّهم (متفق عليه).
مُفاوضات
أَرسل النبي ﷺ عُثمان بن عَفّان (لقَرابته بقُريش) مَبعوثاً ليُفاوض. تَأخّر عثمان. شاع أنّه قُتل. عند ذلك بايع الصحابة النبي ﷺ تحت الشَّجرة على القتال حتى الموت — وهي بَيعة الرِّضوان: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18].
شُروط الصُّلْح
عاد عُثمان سَالماً، وأَرسلت قُريش سُهَيْل بن عَمرو للتَّفاوض. اتَّفقوا على هذه الشُّروط:
- يَرجع المسلمون هذا العام بدون عُمرة، ويَأتون من العام القادم.
- هُدنة عَشر سنوات بين الفَريقين.
- مَن جاء من قُريش إلى محمد بدون إذن وَلِيّه يُرَدّ، ومن جاء من المسلمين إلى قريش لا يُرَدّ.
- مَن أراد أن يَدخل في عَهد محمد فله ذلك، ومَن أراد أن يَدخل في عَهد قُريش فله ذلك.
غَضب الصحابة
استَصعب الصحابة هذه الشُّروط. ظَنّوا أنها مُجْحِفة:
- لا عُمرة هذا العام بعد كل التَّعب.
- إذا جاء مُسلم نُرَدّ، وإن جاء مُرتدّ لا يُرَدّ!
ذَهب عمر إلى النبي ﷺ مُحتدّاً، قال: «ألستَ نبيَّ الله حقّاً؟» قال: «بَلى». قال: «أَلسنا على الحقّ وعَدوّنا على الباطل؟» قال: «بَلى». قال: «فلِمَ نُعطي الدَّنيّة في دِيننا إذن؟» قال ﷺ: «إنّي رسول الله، ولستُ أَعصيه، وهو ناصِري».
ذَهب عمر إلى أبي بكر فسَأله مِثل ذلك. فأَجابه أبو بكر بنَحو ما أجاب به النبي ﷺ. ثم قال له: «الزَم غَرْزَه (أي: تَمسَّك بطاعته)، فإنّي أَشهد أنّه رسول الله» (صحيح البخاري).
أَزمة الصُّلح
لمّا كَتب الكاتب «بسم الله الرحمن الرحيم»، قال سُهَيل: «لا أَعرف الرحمن، اكتب: باسمك اللهم». ولمّا كَتب «هذا ما صالَح عليه محمد رسول الله»، قال سُهَيل: «لو شَهدتُ أنك رسول الله ما قاتلتُك. اكتب: محمد بن عبد الله».
استَصعب الصحابة أن يَمحو لَفظ «رسول الله»، فمَحاه النبي ﷺ بيَده ﷺ. وقَبِل الشُّروط رغم قَسْوَتها.
أبو جَنْدَل بن سُهَيْل
قَبل أن يَنتهي الصُّلْح، جاء أبو جَنْدَل بن سُهَيْل مُسلماً، يَجُرّ القُيود. فطَلب سُهَيل من النبي ﷺ ردَّه، تَنفيذاً للصُّلْح الذي لم يَنتهِ بَعد. ذَهل المسلمون. لكنّ النبي ﷺ صَبر وقال: «يا أبا جَنْدَل، اصْبر واحْتَسِب، فإنّ الله جَاعِلٌ لك ولمن مَعك من المُستضعفين فَرَجاً ومَخرجاً» (صحيح البخاري).
النَّتائج العَظيمة
ظَهرت بَركات الصُّلح بَعدها بقَليل:
- انتشار الدعوة: في السَّنتين الأُوليين بَعد الصُّلح، أَسلم من العَرب ما يَفوق ما أَسلم في 19 سنة قَبله.
- خُروج المسلمين من الحرب: تَفرَّغ النبي ﷺ لخَيبَر فأَخضعها، ولدَعوة المُلوك (هرقل، كسرى، النَّجاشي).
- اعتراف بدَولة المسلمين: لأوّل مرة عاملت قُريش المسلمين كدَولة لها سيادة.
- انْحِسار قوة قُريش: حِين نَقضت قُريش الصُّلح بَعد عامين، كان النبي ﷺ قد جَمع قُوى عَظيمة لفَتح مكة.
نُزول سورة الفَتح
في طَريق العَودة، نَزلت سورة الفَتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. فقال عمر: «أَوَفَتْحٌ هو يا رسول الله؟» قال ﷺ: «نَعم». فاطْمَأنَّ قَلب عمر.
ثم قال عمر بعدَها: «ما زِلتُ أَتَصدّق وأَصوم وأُصلِّي وأُعْتِق من الذي صَنعتُه يومئذ مَخافة كَلامي الذي تكلَّمتُ به (مع النبي ﷺ)، حتى رجوتُ أن يَكون خيراً» (صحيح البخاري).
الدروس
- الحَكَمة فوق العاطفة: الصُّلح بدا قاسياً، لكنه فتح أبواب الإسلام.
- الطاعة قَبل الفَهم: ما فَهم الصحابة الحِكمة، لكنّهم أَطاعوا.
- الصَّبر يَأتي بَعده الفَرَج: أبو جَنْدَل ومن بَعده، فَرَّجَ الله عنهم بعد قَليل.
- الحَكَمة الاستراتيجية: أَحياناً التَّنازُل المؤقّت يُفضِي إلى نَصر دائم.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سيرة ابن هشام. الرحيق المختوم.