وَقعت غزوة بَدر الكُبرى يوم الجمعة 17 رمضان من السَّنة الثانية للهجرة (13 مارس 624م). سَمّاها الله في القرآن «يوم الفُرقان»: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41].
سُمّيت بهذا الاسم لأنّ الله فرّق فيها بين الحقّ والباطل بنَصره للمؤمنين القلائل على المشركين الكَثيرين.
السبب المباشر
علم النبي ﷺ بقافلة قريش الكُبرى تَعود من الشام بقيادة أبي سفيان، فنَدَب الناس للاعتراض. خَرج بنحو 313 مقاتلاً، معظمهم بدون عُدّة كاملة، إذ ظنّوا أنهم سيُلاقون قافلة لا جيشاً.
ولكنّ أبا سفيان لمّا عَلم بأَمر المسلمين، أَرسل إلى قريش يَستنفرهم. فخَرجت قريش من مكة بـ 1,000 مقاتل بكامل العُدّة، فيهم زعماؤها كلّهم: أبو جَهْل، عُتْبة بن ربيعة، شَيبة، الوليد بن عُتبة، أمية بن خَلَف، النَّضْر بن الحارث.
استشارة النبي ﷺ لأصحابه
لمّا اقترب الجَيشان، اسْتَشار النبي ﷺ أصحابه. فقام أبو بكر فأَحْسن، ثم قام عمر فأَحْسن. ثم قام المِقْداد بن عَمرو فقال: «يا رسول الله، امضِ لِما أَراك الله، فنحن مَعك. والله لا نَقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مُقاتلون. فوالذي بعَثك بالحقّ، لو سِرتَ بنا إلى بَرْك الغِماد لجَالَدنا معك من دونه حتى تَبلُغه». فسُرّ النبي ﷺ بكلامه (صحيح البخاري).
ثم قَام سَعد بن مُعاذ زعيم الأَنصار فقال: «يا رسول الله، آمَنّا بك وصَدّقناك وشَهدنا أنّ ما جئتَ به هو الحقّ، وأَعطيناك على ذلك مَواثيقنا وعُهودنا على السمع والطاعة. فامضِ يا رسول الله لِما أَردتَ، فنحن مَعك. فوالذي بَعثك بالحقّ، لو استَعرضتَ بنا هذا البَحرَ فخُضْتَه لَخُضناه مَعك، ما تَخلَّف منّا رَجُلٌ واحد».
استَنار وجهُه ﷺ بكلام سَعد، وقال: «سيروا وأَبشروا، فإنّ الله قد وعَدني إحدى الطائفتين، والله لكأَنّي أَنظُر الآن إلى مَصارع القوم» (صحيح مسلم بنحوه).
دُعاء النبي ﷺ
لمّا التَقى الجَمعان، استَقبل النبي ﷺ القِبلة وأَخذ يَدعو رَبَّه ويَتضرَّع، حتى سَقط رِداؤه من على مَنكبَيه. وكان يقول: «اللهم أَنجِز لي ما وَعدتَني! اللهم آتِ ما وَعدتَني! اللهم إن تَهلِك هذه العِصابةُ من أهل الإسلام لا تُعْبَد في الأرض!»
فجاءه أبو بكر فأَخذ رِداءه ووَضعه على كَتفَيه ثم قال: «يا نَبيّ الله، كَفاكَ مُناشدتُك ربَّك، فإنّه سَيُنجز لك ما وَعدك» (صحيح مسلم).
فأَنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].
المعركة
بَدأت بالمُبارزة. خَرج من قُريش: عُتْبة، شَيبة، الوليد. فبَرز لهم من المسلمين: عُبَيدة بن الحارث، حَمزة، علي. فقَتل حَمزة شَيبة، وقَتل علي الوليد، وأُصيب عُبَيدة وقَتل عُتبة.
ثم اشتَبك الجَمعان، فأَنزل الله المَلائكة تُقاتل مع المسلمين. انتصر المسلمون نَصراً عَظيماً:
- قُتل من المُشركين 70 رَجُلاً، فيهم زُعماؤهم.
- أُسِر منهم 70.
- استُشهد من المسلمين 14: 6 من المهاجرين و8 من الأنصار.
مَصارع الكُفّار
قُتل أبو جَهل فِرعونُ هذه الأُمّة. قَتله غُلامان من الأنصار: مُعاذ بن عَمرو ومُعَوِّذ بن عَفراء. وحَزَّ رَأسَه عبد الله بن مَسعود ووَضعه بين يَدي النبي ﷺ.
قال النبي ﷺ: «الحمد لله الذي صَدَق وَعدَه، ونَصَر عَبدَه، وهَزَم الأحزابَ وحدَه!» (صحيح البخاري بنحوه).
مَصير الأَسرى
استشار النبي ﷺ أصحابه:
- قال أبو بكر: «هؤلاء قَومنا وأهلنا، أَرى أن تَأخذ منهم فِدية، فتَكون قُوّةً لنا على الكُفّار، وعَسى الله أن يَهديهم فيَكونوا لنا عَضُداً».
- قال عمر: «والله ما أَرى ما رأى أبو بكر. ولكنّي أَرى أن تُمَكِّنّا فنَضْرب أَعناقهم. تُمَكّن عليّاً من عَقيل (أَخيه) فيَضرب عُنقه، وتُمَكّنّي من فلان فأَضرب عُنقه. فإن هؤلاء أَئمة الكُفر».
فهَوي النبي ﷺ ما قال أبو بكر. فلمّا أَصبحوا قَبِل الفِداء. فأَنزل الله عتاباً: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67].
الدروس
- النَّصر من عند الله: 313 ضدّ 1,000، انتَصر القلائل لأنّ الله معهم.
- التَّوكُّل مع الأَخذ بالأَسباب: لم يَكتفوا بالدعاء، بل قاتلوا.
- استشارة الأَصحاب: قَبل المعركة، وفي الأُسارى.
- التَّضرُّع المستمرّ: النبي ﷺ ظَلّ يَدعو حتى سَقط رِداؤه.
- رَوعة المُؤازَرة: أبو بكر وَضَع له الرِّداء، الأنصار قالوا: لو خُضْتَ بنا البَحر لخُضْناه.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سيرة ابن هشام. زاد المعاد لابن القيم. الرَّحيق المختوم.