النَّسَب والمَولد
هو النُّعمان بن ثابِت بن زُوطى التَّيمي الكوفي، أَصله من فارِس. وُلِد بالكوفة سنة 80 هـ، في خِلافة عَبد المَلك بن مَروان.
كان أَبوه ثابت تاجراً مَيسوراً، نَشأ النُّعمان في بَيت غَنيّ، فاشتَغل بالتِّجارة في الخُمُور — قَبل أن يَنصَرف إلى العِلم.
القِصّة المُؤثِّرة الأولى: تَحَوُّله إلى العِلم
كان شابّاً يَتَّجر في سُوق الكوفة. يَوماً مَرّ بمَجلس الشَّعبيّ الإمام (فَقيه الكوفة في زَمَنه)، فدَعاه وقال له: «إلى أَين تَختَلِف؟» قال: «إلى السُّوق». قال: «ما أَعني السُّوق، إلى من تَختَلِف من العُلَماء؟» قال: «ما أَختَلِف إلى أَحَد».
فقال له الشَّعبي كَلمةً غَيَّرَت حَياته:
> «عَلَيكَ بالنَّظر في العِلم، ومُجالَسَة العُلَماء، فإنّي أَرى فيكَ يَقَظةً وحَرَكة».
من ذلك اليَوم، تَرَك أَبو حَنيفة التِّجارة وانصَرف إلى العِلم. لازَم حَمّاد بن أَبي سُلَيمان ثَمانية عَشَر سَنة، حتى صار أَوسَع النّاس فِقهاً في الكوفة.
مَنهَجه
اشتُهر الإمام أَبو حَنيفة بـالقياس والاجتِهاد، فسُمّي مَذهبه «مَذهَب أَهل الرأي». لكنّه كان يُقَدِّم النَّصّ الصَّريح على القياس دائماً، ولم يَكن يَفتي إلا بَعد التَّأَكُّد من ضَعف الحَديث.
كان مَجلسه مَدرسة كاملة، يَجتَمع فيه كِبار التَّلامذة:
- أبو يوسف القاضي.
- مُحمّد بن الحَسَن الشَّيباني.
- زُفَر بن الهُذَيل.
- الحَسَن بن زِياد اللُّؤلُؤيّ.
وعنهم انتَشر مَذهَبه في الأَرض كلِّها.
ثَناء الأَئمّة عليه
قال الإمام الشّافعي: «النّاس عيال على أَبي حَنيفة في الفِقه».
وقال عَبد الله بن المُبارك: «أَفقه النّاس أَبو حَنيفة، ما رَأَيتُ في الفِقه مِثله».
وقال سُفيان الثَّوريّ: «كان أَبو حَنيفة أَعلَم النّاس بفِقه عَبد الله بن مَسعود».
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: عِبادَته وزُهده
رَغم غِناه وعِلمه، كان أَبو حَنيفة من أَزهَد النّاس وأَعبَدهم. قال مِسعَر بن كِدام: «رأَيتُ أَبا حَنيفة قائماً في الصَّلاة والدُّموع تَتَحَدَّر على لِحيَته، فلَم يَزَل قائماً حتى أَصبَح. وما كان يَنام إلا بَعد العِشاء، حتى الفَجر».
وكان يَختم القرآن في رَكعة في كثير من اللَّيالي. عاش 60 سَنة يُحيي اللَّيل بالعِبادة.
ومن وَرَعه: ما اشتَرى لَحماً من بَعض السُّوق، وكان قد سَمِع فيه شُبهة، فأَمر فأُحرقَ كلّه. وقال: «ما أَدري أَيُّها هذا الذي فيه الشُّبهة، فأُحرقها كلَّها».
القِصّة المُؤثِّرة الأخيرة: السِّجن والمَوت
طَلَب الخَليفة العَبّاسي أَبو جَعفَر المَنصور أَبا حَنيفة ليُصبح قاضي قُضاته. فأَبى الإمام، خَوفاً على دِينه من الانحِراف بمُلازَمة الحاكم.
ألَحّ عليه المَنصور، حتى حَلَف ليَفعَلَنّ. فحَلَف أَبو حَنيفة لا يَفعَل. فقال المَنصور: «تَحلِف على يَميني؟» قال أَبو حَنيفة: «أَنا على كَفّارة يَميني أَقدَر من أَمير المُؤمنين على كَفّارة يَمينه».
فغَضِب المَنصور وأَمَر بسَجنه وضَربه بالسِّياط. ضُرِب 110 سَوطاً، يَوماً بَعد يَوم. ومع ذلك بَقي على رَأيه، لا يَقبل القَضاء.
في السِّجن، استَمَرّ يُعَلِّم النّاس. وقَد أَعَدّ المَنصور له طَعاماً مَسموماً، فأَكَله وهو يَعلَم أنّه مَسموم. وفي اللَّيلة الأَخيرة، رَفَع رَأسه إلى السَّماء وقال:
> «اللهمّ اقبِضني إليك في طاعَتك، ولا تَجعَل بَيني وبَين رَحمَتك سِتْراً».
تُوُفِّي في السِّجن سنة 150 هـ، عَن سَبعين سَنة. خَرَج النّاس لجَنازَته، فاجتَمع للصَّلاة عليه نَحو خَمسين أَلف نَفس. صُلّي عليه سِتّ مَرّات، حتى يَتَمَكَّن النّاس من الصَّلاة عليه.
ودُفن في مَقابر الخَيزُران ببَغداد، حَيث ما زال قَبره مَعروفاً إلى اليَوم.
دُروس من حَياته
1) كَلِمة من عالم تَصنَع تاريخاً
كَلِمة الشَّعبي للنُّعمان الشابّ غَيَّرَت تاريخ الفِقه الإسلامي. لا تَستَهين بنَصيحة عابرة لشابّ.
2) العالم لا يُباع
عَرض عليه المَنصور القَضاء بأَموال طائلة، فرَفَض. وقال كَلمتَه الذَّهبية: «أَنا على كَفّارة يَميني أَقدَر من أَمير المُؤمنين على كَفّارة يَمينه». العَزّة لا تُشتَرى.
3) الفِقه مع العِبادة
أَفقَه النّاس في الفِقه كان أَعبَدهم. العِلم بدون عِبادة جَفاف، والعِبادة بدون عِلم ضَلال.
4) الصَّبر على الأَذى لله
مات في السِّجن، تَحت السِّياط، وهو يَعلَم أنّه مَسموم. لم يَقبل العَطاء ولا تَنازَل عن دينه. الإمامة في الدِّين تُورَث بالدَّم لا بالشُّهرة.
5) الذِّكر بَعد المَوت
بَعد 13 قَرناً، ما زال مَذهَبه يُتَّبَع، وقَبره يُزار، وفِقهه يُدرَس في الجامِعات. مَن جَعل عَمَله لله، أَبقاه الله في الذاكرة.
المراجع والمصادر
سير أعلام النبلاء للذهبي. تاريخ بغداد للخطيب. مناقب الإمام أبي حنيفة للموفق المكي.