imams

الإمام أَحمد بن حَنبَل رَحمه الله — إمام أَهل السُّنّة

إمام السُّنّة الذي جُلِد على عَقيدته في فِتنة خَلق القرآن، فثَبَت ثَبات الجِبال.

النَّسَب والمَولد

هو أَحمد بن مُحمّد بن حَنبَل الشَّيباني المَروَزيّ ثم البَغداديّ. وُلِد ببَغداد سنة 164 هـ في خِلافة المَهدي العَبّاسي.

تُوُفّي والده وهو طِفل صَغير. رَبَّتْه أُمّه على الفَقر والتَّقوى. كانت أُمّه تُوقِظه قَبل الفَجر للمَسجد، وتَلبَسه ثِيابه بنَفسها وتَخرُج معه في الظَّلام.

القِصّة المُؤثِّرة الأولى: طَلَب العِلم على المَشي

طَلَب أَحمد العِلم وعُمره 16 سَنة. كان يَخرُج كل يَوم قَبل الفَجر بمِحبَرَته وأَلواحه يَطلُب العِلم. ولأنّه كان فَقيراً، كان يَمشي على رِجلَيه إلى المَجالس، حتى لمّا سافَر إلى اليَمَن لطَلَب العِلم على عَبد الرَّزّاق الصَّنعاني، مَشى من بَغداد إلى صَنعاء (مَسيرة شَهرَين).

سَأَله رَجُل: «أَترَى تَدَع طَلَب الحَديث؟» قال: «مَع المِحبَرة إلى المَقبَرة».

كان يُعيد كِتابة حَديث 30 مَرّة ليَحفَظه. حَفظ من الحَديث أَلف أَلف حَديث (مَع طُرقها وأَلفاظها). و«المُسنَد» الذي ألَّفه يَحوي أَكثَر من 27,000 حديث.

شُيوخه

أَخَذ العِلم عن:

  • الإمام الشّافعي (وكان أَخَصّ تَلامِذَته).
  • سُفيان بن عُيَينة.
  • عَبد الرَّحمن بن مَهديّ.
  • عَبد الرَّزّاق الصَّنعاني.
  • يَحيى بن سَعيد القَطّان.
  • وغَيرهم كثير.

القِصّة المُؤثِّرة الثانية: فِتنة خَلق القرآن

في خِلافة المَأمون العَبّاسي، تَأَثَّر الخَليفة بـالمُعتَزِلة، الذين قالوا: «القرآن مَخلوق» (يَعنون أنّه مَخلوق كسائر المَخلوقات، لا كَلام الله الحَقيقيّ).

أَهل السُّنّة يَقولون: «القرآن كَلام الله غَير مَخلوق». فأَمَر المَأمون بامتِحان العُلَماء: مَن يَقول إنّ القرآن مَخلوق يُترَك، ومَن يَأبى يُجلَد ويُسجَن أَو يُقتَل.

قَبل أَكثَر العُلماء — مُتَأَوِّلين أَو خَوفاً — وقال: «القرآن مَخلوق». لم يَبقَ ثابِتاً إلا قِلّة، أَشهَرهم: الإمام أَحمد بن حَنبَل.

أَخَذوه إلى الخَليفة المَأمون، ثم المُعتَصم بَعده، ثم الواثق. أَدخلوه السِّجن. جَلَدوه بالسِّياط أَمام النّاس. كان عُمره فَوق الخَمسين، ضَعيف الجِسم، نَحيلاً.

كان الجَلّاد يَضربه ضَرباً يَزيل اللَّحم، حتى تَتَفَطَّر العُروق. كان أحمد بَين الضَّربَتَين يَقول: «ائتوني بسُنّة من رَسول الله ﷺ تَدُلّ على أنّ القرآن مَخلوق، وأنا أَقول ما تُريدون».

طال السَّجن، طال الجَلد، أُغمي عليه أَكثَر من مَرّة، حتى ظَنُّوا أنّه مات. ومع كل ذلك، ما تَراجَع، ما قال إنّ القرآن مَخلوق.

ولَمّا أَسوَأ الأَيّام، أَرسَل إليه السُّلطان رَسولاً يُحَدِّثه: «يا أَحمد، رأَيتُ المَأمون في النَّوم يُعَذَّب، فقُلتُ له: ما الذي تَركتَه فيك من العَذاب؟ قال: لو نَطَقَ ابن حَنبَل بكَلِمة الكُفر، نَطَقتُ بها أنا، فأَخَذني الله إليه. ولكنّه ثَبَت، فأَنا أَتَرَجّى أن يَنفَعه ثَباته».

ما وَراء الجَلد

في السِّجن والجَلد، كان النّاس في الخارج يَنتَظرون: ماذا يَقول أحمد؟ كانوا يَعلَمون: إن نَطَق بـ«مَخلوق»، نَطقَ بها كل مُسلم في الأَرض. وإن ثَبَت، ثَبَت أَهل السُّنّة كلُّهم.

فلمّا ثَبَت، حَفِظ الله الإسلام بثَباته. وانتَهت فِتنة خَلق القرآن، وعاد النّاس إلى مَذهب أَهل السُّنّة. حتى قال العُلَماء: «نُصِر الإسلام بأبي بَكر يَوم الرِّدّة، وبأَحمد يَوم المِحنة».

القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: زُهده وعِبادَته

كان أَحمد لا يَأكل من بَيت المال شَيئاً. كان يَعمَل بيَدَيه، يُوَرِّق ويَنسج، حتى يَأكل من حَلال يَدَيه.

عَرَض عليه الخَليفة المُتَوَكِّل (بَعد انتِهاء المِحنة) راتِباً سَنَوياً، فأَبى. أَرسَل له مالاً كَثيراً، فرَدَّه ولم يَفتَحه.

كان يَختم القرآن في كل أُسبوع. يَقوم اللَّيل كلَّه. ولمّا قيل له: «يا أَبا عَبد الله، متى يَجد العَبد طَعم الراحة؟» قال: «عند أَوَّل قَدَم يَضَعها في الجنّة».

وَفاتُه

تُوُفِّي ببَغداد سنة 241 هـ، عَن 77 سَنة. خَرَج النّاس لجَنازَته من ثَلاثة أَيّام مُتَتالية. حَضَر جَنازَته أَكثَر من 800 ألف رَجُل و60 ألف امرأة. ولَم يُعرَف في تاريخ الإسلام جَنازة أَعظَم منها.

أَسلَم في يَوم وَفاته عِشرون أَلفاً من اليَهود والنَّصارى والمَجوس، لمّا رَأَوا هَذه الجَنازة.

دُروس من حَياته

1) العِلم على الأَقدام

مَشى من بَغداد إلى صَنعاء لطَلَب العِلم. مَن لم يَتَعَب لأَجل العِلم، لَم يَنل منه شَيئاً.

2) الثَّبات في الفِتَن

ثَبَت أَحمد، فثَبَت أَهل السُّنّة كلُّهم. رَجُل واحد قَد يَحفَظ الله به أُمّة كامِلة.

3) العالم لا يَأكل من السُّلطان

رَدّ عَطايا الخَليفة كلَّها. العالم الذي يَأكل من السُّلطان يَفقد لِسانه. والذي يَستَغني عَنه يَملك صَوته.

4) راحة المُؤمن في الجنّة

«عند أَوَّل قَدَم يَضَعها في الجنّة». مَن طَلَب الراحة في الدُّنيا، تَعِب فيها وفي الآخرة. ومَن صَبَر، استراح أَبَدَ الدَّهر.

5) الذِّكرى تَتْبَع العَمَل

800 أَلف رَجُل في جَنازَته. لم يَكن مَلِكاً، ولا أَميراً، ولا غَنيّاً. بل كان عالِماً مُخلِصاً، فأَجرى الله ذِكره على لِسان كل مُؤمن.

المراجع والمصادر

سير أعلام النبلاء للذهبي. مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي. تاريخ بغداد للخطيب.