imams

الإمام الشّافعيّ رَحمه الله — ناصِر السُّنّة

إمام في الفِقه واللُّغة والشِّعر، حَفِظ القرآن وهو ابن سَبع سَنين، ووَضَع عِلم أُصول الفِقه.

النَّسَب والمَولد

هو مُحمّد بن إدريس الشّافعيّ القُرَشيّ المُطَّلِبيّ، يَنتَهي نَسَبه إلى عَبد المُطَّلِب جَدّ النَّبيّ ﷺ. فهو ابن عَمّ رَسول الله ﷺ بنَسَب بَعيد.

وُلِد بـغَزّة سنة 150 هـ — في نَفس السَّنة التي مات فيها أَبو حَنيفة. كأنّ الله أَراد ألا تَخلو الأَرض من إمام.

تُوُفّي والده وهو رَضيع. حَملَتْه أُمّه إلى مكّة لتُربّيه في بَلَد آبائه. كانت أُمّه فَقيرة، تُعاني الجُوع لتُعَلِّم ابنها.

القِصّة المُؤثِّرة الأولى: ذكاء طِفل

حَفِظ القرآن وهو ابن سَبع سَنين. ثم حَفظ «المُوَطَّأ» للإمام مالك وهو ابن عَشر سَنين.

كانت أُمّه لا تَملك ثَمَن الوَرَق. فكان الشّافعي يَخرُج إلى دور النّاس فيَلتَقط العِظام والعُسُب، يَكتُب عَلَيها الحَديث والشِّعر. حتى مَلأَ بَيتَه بهذه الكِتابات.

ثم لازَم في مكّة شُيوخها، حتى أَتقَن العَربية واللُّغة والشِّعر. كان من أَوسَع النّاس عِلماً بالعَربية، حتى قال الأَصمَعي: «صَحَّحتُ شِعر الهُذَليِّين على فَتى من قُرَيش يُقال له مُحمّد بن إدريس».

القِصّة المُؤثِّرة الثانية: السَّفر إلى مالك

سَمِع بفَضل الإمام مالك بن أَنس بالمَدينة، فعَزَم على الرِّحلة إليه. وكان عُمره 13 سَنة.

استَأذَن أُمّه. وفَّرَت له ما تَستَطيع، وقالت له: «اطلُب العِلم، فإنّ الله خَيرٌ مُعَوَّض».

ذَهَب إلى المَدينة، فلازَم مالكاً ودَرَس عَلَيه. تَلا عَلَيه «المُوَطَّأ» من حِفظه. لمّا انتَهى، نَظَر مالك إلى هذا الفَتى وقال:

> «اتَّقِ الله، فإنّه سيَكون لكَ شأن».

بَقي عند مالك حتى مات (سنة 179 هـ). ثم رَجَع إلى مكّة، ثم سافَر إلى اليَمن، ثم العِراق، ثم مِصر.

مَنهَجه: تَأسيس عِلم أُصول الفِقه

كان الشّافعي أَوَّل من جَمع قَواعد الاستِنباط في كِتابٍ واحد. ألَّف «الرِّسالة» — كِتاب يُعتَبر حَجَر الزاوية لعِلم أُصول الفِقه.

في الرِّسالة، وَضَع قَواعد:

  • التَّعامُل مع القرآن (العامّ، الخاصّ، النّاسخ، المَنسوخ).
  • التَّعامُل مع السُّنّة (المُتَواتر، الآحاد، الصَّحيح، الحَسَن).
  • القياس.
  • الإجماع.

وعَلى أَساس قَواعِده، قام عِلم أُصول الفِقه كلّه. حتى قال أحمد بن حَنبل: «ما أَعلَم أَحَداً كان أَعظَم مَنّةً على الإسلام من الشّافعي».

مَكانَتُه

قال الإمام أحمد: «كان الشّافعيّ كالشَّمس للدُّنيا، وكالعافية للنّاس، فهَل لهَذَين من خَلَف؟»

وقال يَحيى بن مَعين (إمام الجَرح والتَّعديل): «لَو كَذَب الشّافعيّ، لَكان حُجّة على عُلَماء الأَرض».

وكان أحمد بن حَنبل يَدعو لله للشّافعيّ في صَلاته، حتى قال له ابنه عَبد الله: «ما الذي رأَيتَ في الشّافعيّ يا أَبَتِ؟» فقال: «يا بُنَيّ، الشّافعي كان كالشَّمس للدُّنيا، وكالعافية للنّاس».

القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: تَواضُعه الجَمّ

دخل الشّافعي يَوماً مَسجد بَغداد، فجَلَس بَين النّاس. فجاء أَحمد بن حَنبل فجَلَس بجَنبه. فحَدَّث الشّافعي بحَديث. فبَكى أحمد. فقال له الشّافعي: «لِم تَبكي؟» قال: «يا أَبا عَبد الله، أَكاد أَن أَكون قَد سَمعتُ هذا الحَديث من ثَلاثين شَيخاً، وما سَمعتُه قَطّ كما سَمِعتُه منكَ».

وكان الشّافعيّ يَقول: «ما ناظَرتُ أَحَداً إلا أَحبَبتُ أن يُوَفَّق ويُسَدَّد ويُعان، ويَكون عَلَيه رِعاية الله وحِفظه. وما ناظَرتُ أَحَداً قَطُّ على الغَلَبَة، وَوَدِدتُ أنّ كل عِلم أُناظر فيه يَكون على يَدَي غَيري».

القِصّة المُؤثِّرة الأَخيرة: مَوته في مِصر

سافَر إلى مِصر، فاستَقبَلَه أَهلها بالشَّوق العَظيم. فأَسَّس فيها مَذهَبه الجَديد المَعروف بـ«المَذهب الشّافعيّ» (المَذهَب الجَديد)، وأَعاد كِتابة بَعض مَسائله بَعد ما وَصَل إليه من علم.

اشتَدَّ عليه المَرض في آخر حَياته. تُوُفِّي في مِصر سنة 204 هـ، عَن 54 سَنة فقط. صُلّي عليه بمِصر، ودُفن بالقَرافة، وما زال قَبره مَعروفاً يُزار.

ولمّا مات، قال أَحمد بن حَنبل: «ما عَلِمتُ أَحَداً مات بَعد رَسول الله ﷺ أَنفَع للإسلام من الشّافعي».

دُروس من حَياته

1) الفَقر لا يَمنَع العِلم

طِفل يَكتُب على العِظام لأنّه لا يَملك ثَمَن الوَرَق. مَن أَراد العِلم، فتَحَ له الله الأَبواب.

2) الأُمّ مِفتاح العَظَمة

أُمّ فَقيرة تَحتَمل الوَحدة وتُرسل ابنها للعِلم في 13 من العُمر. القَلب الأُموميّ المَوصول بالله، يُخَرِّج العُظَماء.

3) العِلم يُحَوِّل الجَفاء إلى صَداقة

كان أحمد بن حَنبل تِلميذاً للشّافعي. صار صَديقاً وأَخاً. العِلم يُؤَلِّف بَين القُلوب.

4) المُناظَرة لا تُغَلَّب فيها النَّفس

كَلِمة الشّافعي الذَّهَبية: «ما ناظَرتُ أَحَداً قَطُّ على الغَلَبَة». مُناظَرة طَلَب الحَقّ غَير مُجادلة الانتِصار.

5) العَطاء بَعد المَوت لا يَنقَطع

54 سَنة فقط، ومع ذلك أَسَّس عِلم أُصول الفِقه، ومَذهَباً يُتَّبَع إلى اليَوم. العُمر القَصير قَد يَكون أَطوَل ذِكراً من العُمر الطَّويل.

المراجع والمصادر

سير أعلام النبلاء للذهبي. مناقب الشافعي للبيهقي. تاريخ بغداد.