النَّسَب والنَّشأة
هو خالد بن الوَليد بن المُغيرة المَخزوميّ القُرَشيّ. من بَني مَخزوم، أَحَد بُيوت قُرَيش العَريقة. كان أَبوه الوَليد من سادات قُرَيش وأَكابرها.
نَشأ خالد فارِساً مُحارِباً بالفِطرة. تَعَلَّم الفُروسيّة والقِتال منذ طُفولته، فما بَلَغ سِنّ الرُّجولة إلا وهو من أَمهَر فُرسان قُرَيش.
القِصّة المُؤثِّرة الأولى: مَوقفه يَوم أُحُد
كان خالد قَبل إسلامه عَدُوّاً للمُسلمين. وفي غَزوة أُحُد، كان قائد فُرسان قُرَيش الذين رَتَّبهم أَبو سُفيان في مَيمَنة الجَيش.
لمّا انكَشَف الرُّماة عن مَوقعهم على الجَبَل، رَأى خالد الفُرصة بعَين قائد عَبقَريّ. فدار بفُرسانه من خَلف الجَبَل، وأَتى المُسلمين من خَلفهم، فاضطَربوا، وانقَلَبَت المَوقعة من نَصر إلى مُصيبة.
ولكنّ هذا الذي كَسَر المُسلمين بعَبقَريَّته الحَربيّة، ستُسَخِّره الأَيّام لنَصر الإسلام بَعد أَعوام قَلائل.
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: الرّحلة إلى الإيمان
بَعد صُلح الحُدَيبية، بَدأ خالد يُفَكّر:
> «لقد استَقام الأَمر، وإنّ الرَّجُل لنَبيّ. فحتى متى؟»
كَتَب إليه أَخوه الوَليد بن الوَليد (الذي أَسلَم قَبله) من المَدينة:
> «يا أَخي، إنّ النبيّ ﷺ سَأَلَني عنك، فقال: أَين خالد؟ إنّ مِثل خالد ضَلّ عليه الإسلام، ولو جَعَل نَكايَتَه مع المُسلمين على المُشرِكين كان خَيراً له، ولقَدَّمناه على غَيره. فاستَدرِك يا أَخي ما قد فاتك من مَواطن صالحة».
فلمّا قَرَأ خالد الكِتاب، نَشَط للخُروج. وقال: «والله، لقد عَلِمتُ أنّ مُحمّداً قد ظَهَر، وأنّ أَمره سَيَعلو على كلّ أَمر».
فخَرَج إلى المَدينة، فلَقِيَه في الطّريق عَمرو بن العاص وعُثمان بن طَلحة، فقال لهما: «أَين تُريدان؟» قالا: «نُسلم، فإلى متى؟ والله ما نَكون مع محمد إلا كثَعلَب في جُحر، إن صُبّ فيه صَبّة من ماء خَرَج». فأَخبَرهما بمُراده، فدَخلوا المَدينة جَميعاً، فاعتَنَقوا الإسلام بَين يَدَي رَسول الله ﷺ.
فلمّا رآه النبيّ ﷺ، تَهَلَّل وَجهه، وقال: «الحَمد لله الذي هَداك. قد كنتُ أَرى لك عَقلاً، رَجَوتُ ألا يُسلِمَك إلا إلى خَير».
ثم دَعا له ﷺ بالمَغفرة، وأَقَرَّه على ما سَيَكون له من البَلاء في سَبيل الله.
القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: مُؤتَة وتَلَقّيب «سَيف الله»
في غَزوة مُؤتَة (في أَطراف الشّام)، كان جَيش الرُّوم 200 أَلف، وجَيش المُسلمين 3 آلاف فقط. وقَد عَيَّن النبيّ ﷺ ثَلاثة قادة بالتَّسلسل: زَيد بن حارثة، فإن أُصيب فـجَعفَر بن أَبي طالب، فإن أُصيب فـعَبد الله بن رَواحة.
استُشهد الثَّلاثة، فأَخَذ خالد الراية بدون تَعيين رَسميّ، ووَزَّع الجَيش، وغَيَّر مَواقعه، حتى أَوهَم الرُّوم أنّ مَدَداً جَديداً قد جاءه. فانسَحب الرُّوم.
في تلك المَعركة الواحدة انكَسَرَت في يَد خالد تِسعة أَسياف، وما بَقي إلا صَفيحَة يَمانية!
ولمّا عاد الجَيش إلى المَدينة، صَعِد النبيّ ﷺ المِنبَر فقال: «ثم أَخَذ الراية سَيف من سُيوف الله، خالد بن الوَليد، ففَتَح الله عليهم» (صحيح البخاري).
ومنذ ذلك اليَوم، صار اسمه «سَيف الله المَسلول».
فُتوحاته
لم تَخسَر له راية بَعد إسلامه. شارَك في فَتح مكّة، حُنَين، الطّائف. وفي عَهد أَبي بَكر، قاد:
- حُروب الرِّدّة: أَعاد العَرب إلى الإسلام بَعد ارتِدادهم.
- مَوقعة اليَمامة: قَتَل فيها مُسَيلمة الكَذّاب.
- فَتح العِراق: انتَصر على الفُرس في عِدّة مَعارك.
- فَتح الشّام: قاد المُسلمين في مَوقعة اليَرموك الفاصِلة، فهَزَم الرُّوم هَزيمة لم يَنهَضوا منها.
القِصّة المُؤثِّرة الرابعة: العَزل في عَهد عمر
لمّا تَوَلّى عمر الخِلافة، عَزَل خالداً عن قِيادة الجَيش، خَوفاً من فِتنة النّاس به (إذ كانوا يَنسبون النَّصر إليه لا إلى الله). فحَكَم خالد بأنّ هذا اجتِهاد عمر، وأَطاع.
كَتَب إليه عمر: «إنّي لم أَعزِلك عن سَخطَة، ولا خِيانَة، ولكن النّاس فُتِنوا بك، فخِفتُ أن يُوكَلوا إليك، فأَحبَبتُ أن يَعلَموا أنّ الله هو الصانِع».
ثم استَمَرّ خالد جُندِيّاً عاديّاً تَحت قِيادة أَبي عُبَيدة بن الجَرّاح، يَفتَح ويُجاهد بنَفس الإخلاص، لا تُغَيّره الأَلقاب ولا المَناصب.
القِصّة المُؤثِّرة الأَخيرة: مَوته على الفِراش
لمّا حَضَرَته الوَفاة في حِمص (سنة 21 هـ)، بَكى وقال:
> «لقد شَهدتُ مئة زَحف أَو زُهاءها، وما في جَسَدي شِبر إلا وفيه ضَربة بسَيف، أَو طَعنة برُمح، أَو رَمية بسَهم. وها أنا ذا أَموت على فِراشي حَتف أَنفي، كما يَموت العَير. فلا نامَت أَعيُن الجُبَناء».
أَراد الشَّهادة، فأَعطاه الله فَوقها: عَدَم مَوته في المَعارك دَليل أنّه كان فِعلاً «سَيف الله»، فالسَّيف لا يُقتَل، إنّما يُكسَر يومَ يَكسره الله.
ولمّا مات، بَكَى عليه عمر، فقالوا: ما قُلتَ عن البُكاء على المَيّت؟ قال: «هذا غَير ذلك، إنّما أَنوح على خالد بن الوَليد، ومِثل خالد تَبكي عليه البَواكي».
ولمّا بَلَغَه نَعيُه، قال عمر: «على مِثل أَبي سُلَيمان فلتَبك البَواكي. لقد ثَلَم في الإسلام ثُلمَة لا تُسَدّ».
دُروس من حَياته
1) ما من ضِدٍّ للإسلام إلا والله قادِر على هِدايَته
كان أَلَدَّ الأَعداء، فصار أَعَزّ الجُنود. فلا تَيأَس من هِداية أَحَد.
2) الكَفاءة هِبَة، وإذا وُجِّهَت لله أَثمَرت
نَفس عَقل خالد الذي أَوصَل قُرَيشاً للنَّصر يَومَ أُحُد، أَوصَل المُسلمين لفَتح فارس والشّام.
3) الإخلاص يَنفي العُلُوّ بالمَنصب
عُزِل من قيادة الجَيش، فبَقي يُجاهِد كجُنديّ. مَن جاهَد لله، لم يُغَيِّره العَزل ولا التَّولِية.
4) المَوت لا يُقَدِّمه ولا يُؤَخِّره مَكان
كان يَطلُب الشَّهادة في كلّ مَعركة، فمات على فِراشه. «قُل لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا» [التوبة: 51].
5) النَّصر من الله لا من الأَشخاص
عَزَل عمر خالداً ليُعَلِّم النّاس هذه الحَقيقة. وانتَصر المُسلمون بَعده، فثَبَت أنّ الله هو النّاصر، لا «خالد»، ولا «عمر»، ولا أَحَد.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. الإصابة لابن حجر. البداية والنهاية لابن كثير.