imams

سَعيد بن المُسَيِّب رَحمه الله — سَيِّد التابِعين

أَفقه التابِعين، صِهر أَبي هُرَيرة، الذي رَفَض تَزويج بنته للخَليفة وتَزَوَّجها فَقير.

النَّسَب والمَولد

هو سَعيد بن المُسَيِّب بن حَزْن المَخزومي القُرَشي. وُلِد بالمَدينة سنة 15 هـ في خِلافة عُمَر بن الخَطّاب رَضي الله عنه.

كان أَبوه وجَدّه من الصَّحابة. شَهد جَدُّه حَزْن بن أَبي وَهب بَيعة الرِّضوان. فنَشأ سَعيد في بَيت سَبَقَت الرِّسالة إلى أَهله بثَلاث أَجيال.

مَكانته من العِلم

كان أَفقَه التابِعين بإجماع، وأَعلَمهم بأَقوال عُمَر بن الخَطّاب وقَضاياه. حتى لُقِّب بـ«راوية عُمَر».

قال عَبد الله بن عُمَر (الصَّحابيّ الكَبير): «لو رَأَيتَ سَعيد بن المُسَيِّب لقُلتَ: ليس في الأَرض مِثله».

وقال مَكحول (إمام الشّام): «طُفتُ الأَرض في طَلَب العِلم، فلَم أَلقَ أَعلَم من سَعيد بن المُسَيِّب».

أَخَذ العِلم عن:

  • عُمَر بن الخَطّاب (سَمِع منه وهو صَغير).
  • عُثمان بن عَفّان.
  • عَلِيّ بن أَبي طالب.
  • زَيد بن ثابِت.
  • عائشة وأُمّ سَلَمة.
  • أَبو هُرَيرة (وكان صِهره).

القِصّة المُؤثِّرة الأولى: زَواجه من بنت أَبي هُرَيرة

كان أَبو هُرَيرة يُحبّه حُبّاً عَظيماً، ويَقول: «اللهمّ، لا تُحِجَّني عَن سَعيد بن المُسَيِّب».

ولَمّا اسْتُشيرَ في تَزويج بنته، قال: «أُزَوِّجها سَعيد بن المُسَيِّب».

تَزَوَّجها سَعيد، فكانت أَفضل النّاس وأَجمَلهنّ صَلاحاً.

القِصّة المُؤثِّرة الثانية: زَواج بنته

كانت لسَعيد بنت من أَجمَل النِّساء وأَفضَلهنّ. خَطَبها الخَليفة عَبد المَلك بن مَروان لابنه الوَليد (وَلِيّ العَهد).

فأَبى سَعيد. أَلَحّ عليه الخَليفة، فَأَبى. غَضِب الخَليفة وأَمر بضَربه وحَبسه.

ضُرِب سَعيد، وحُبس. ومع كل ذلك، لَم يُغَيِّر رَأيه. ثم خَرَج من السِّجن.

في الكوفة، كان لسَعيد تِلميذ فَقير اسمه عَبد الله بن أَبي وَداعة. كان مُلازماً مَجلسه. غاب عنه أَياماً. لمّا رَجَع، سَأَله سَعيد: «أَين كنتَ؟» قال: «يا أُستاذ، تُوُفِّيت زَوجَتي، وكنتُ مَشغولاً بشَأنها».

قال سَعيد: «أَلا أَخبَرتَنا فحَضَرناك؟» ثم سَأَله: «هَل أَحدَثتَ بَعدها؟ (تَزَوَّجتَ مرّة أُخرى؟)» قال: «لا، يَرحَمك الله، ومَن يُزَوِّجني وأنا لا أَملك إلا دِرهَمَين أَو ثَلاثة؟».

قال سَعيد: «أنا. هَل لكَ أن أُزَوِّجَك؟» قال عَبد الله: «أنتَ تَفعَل؟» قال: «نَعم».

ثم حَمِد الله، وصَلّى على النَّبيّ ﷺ، وزَوَّجَه ابنَتَه على دِرهَمَين أَو ثَلاثة.

قال عَبد الله: «فقُمتُ، وما أَدري ماذا أَصنَع من الفَرَح. أَتَيتُ بَيتي، فقَلَبتُه أَنظُر بمَ أَفطُر، فرأَيتُ خُبزاً يابِساً وزَيتاً، فأَفطَرتُ. ثم صَلَّيتُ المَغرب، فجاءَني سَعيد بنَفسه يَدفع الباب، ومَعها فَتاة شَريفة من بَنات الأَشراف».

ابنته التي رَفَض أن يُزَوِّجها لوَلِيّ عَهد الخَليفة، زَوَّجها لطالب عِلم فَقير!

ولمّا دَخَلَت زَوجَته بَيت زَوجها، قالت كَلِمتها الجَميلة: «يا فَتى، إنّي صَغيرة لا أَعلم شَيئاً، فعَلّمني». فجَلَس عَبد الله يُعَلِّمها ما تَعَلَّم من أَبيها. عَلَّمَ زَوجَته كَما عَلَّمَه أَبوها.

القِصّة المُؤثِّرة الأَخيرة: لا يَنحَني للسُّلطان

في خِلافة الوَليد بن عَبد المَلك، أَرسَل الخَليفة عَطاءه السَّنَوي إلى عُلَماء المَدينة. وأَرسَل لسَعيد بن المُسَيِّب 30,000 درهم.

رَدَّها سَعيد، فقال: «مال السُّلطان لا يَأكل منه».

وفي مَجلس آخَر، أَمَر الخَليفة بالقِيام للأَمراء عند دُخولهم المَسجد. كان كلُّ النّاس يَقومون لكلّ أَمير يَدخل، إلا سَعيد، بَقي جالساً. أُمر بضَربه على ذلك، فضُرِب، وأَخرج إلى السُّوق على بَعير، يُعَيَّر، وما تَزَحْزَح عَن مَوقفه.

وَفاتُه

تُوُفِّي بالمَدينة سنة 94 هـ، عَن 80 سَنة. وكانت وَفاته من أَعظَم المَصائب على المَدينة. قال عنه سَعد بن إبراهيم: «ما رأَيتُ أَفقَه من سَعيد بن المُسَيِّب».

دُروس من حَياته

1) العِلم لا يَنحَني للسُّلطان

رَفَض تَزويج بنته للخَليفة. رَدّ عَطاياه. لم يَقُم للأَمراء. العالم الذي يَهابه السُّلطان لا يَهاب السُّلطان.

2) الزَّواج للدِّين لا للمال

زَوَّج بنته الجَميلة الفَقيرة لطالب عِلم فَقير، مُفَضِّلاً ذلك على وَلِيّ العَهد. الكَفاءة في الدِّين، لا في المال ولا في النَّسَب.

3) المَرأة الصالحة كَنز

بنت سَعيد قالَت لزَوجها في أَوَّل يَوم: «إنّي لا أَعلم شَيئاً، فعَلّمني». هذه هي المُسلمة الراغبة في الخَير، والباحثة عَن الكَمال.

4) العِلم بَيت الفَضائل

بنت العالم تَزَوَّجَت فَقيراً، فَزادَت بَيت زَوجها بَركة وعِلماً. العِلم لا يَخرج إلا إلى الخَير.

5) الكَرامة في الصَّبر

ضُرِب وأُهين، ولَم يَتَحَرَّك من مَوقفه. مَن صَبَر للحَقّ في الدُّنيا، رَفَعه الله أَبَد الآخرة.

المراجع والمصادر

سير أعلام النبلاء للذهبي. حلية الأولياء لأبي نعيم. تاريخ المدينة لابن شبّة.