سير الصحابة

سَلمان الفارِسيّ رَضي الله عَنه — سَلمان مِنّا أَهل البَيت

رَحلَته الطَّويلة من المَجوسيّة في فارس إلى الإسلام في المَدينة، أَجمل قِصّة بَحث عن الحَقّ.

القِصّة بنَفسه

روى ابن إسحاق وأحمد بإسناد صحّحه أَهل العِلم، أنّ سَلمان حَدَّث ابن عبّاس بقِصّته، فقال:

> «كنتُ رَجُلاً فارِسيّاً من أَهل أَصبهان، من قَرية يُقال لها جَيّ. وكان أَبي دِهقانَها (سَيِّدها)، وكنتُ أَحَبَّ خَلق الله إليه. لم يَزل به حُبُّه إيّاي حتى حَبَسَني في بَيته كما تُحبَس الجارية. واجتَهَدتُ في المَجوسيّة حتى صِرتُ قاطِنَ النّار التي يُوقدونها لا تَخبو ساعةً».

بَدء البَحث

استَعمَله أَبوه يَوماً في ضَيعَة له، فقال له: «يا بُنَيّ، إنّي قَد شُغِلتُ في بُنياني هذا، فاذهَب إلى ضَيعَتي، فاعرِف ما يَكون فيها».

في الطَّريق، مَرَّ سَلمان بكَنيسة من النَّصارى، فدَخَل ليَنظر، فأَعجَبَه ما رَأى من صَلاتهم وطَريقتهم. وقال:

> «والله هذا خَير من الدِّين الذي نحن عليه».

سَأَلهم عن أَصل دِينهم، فقالوا: «بالشّام». فلمّا رَجَع إلى أَبيه، أَخبَره. وعَلِم أَبوه عَزمه على اللَّحاق بهم، فقَيَّده وحَبَسه.

ثم بَعث سَلمان إلى النَّصارى أن يُخبِروه إذا قَدِم رَكب من الشّام. فقَدِم رَكب، فخَرَج معهم خِفيَة، حتى قَدِم الشّام.

مع أَحبار النَّصارى

في الشّام، سَأَل عن أَعلَمهم بدِينهم، فدُلَّ على أُسقُف. فأَتاه فقال: «إنّي قد رَغِبتُ في هذا الدِّين، فأَحبَبتُ أن أَكون مَعك، أَخدِمك وأَتَعَلَّم منك وأُصَلّي مَعك». فقَبِله.

لكنّ ذلك الأُسقف كان رَجُل سَوء، يَجمَع الصَّدَقات لنَفسه، ولا يُعطي الفُقَراء. فلمّا مات، اجتَمع النَّصارى ليَدفنوه. فقال لهم سَلمان: «إنّ هذا كان رَجُل سَوء، وقد جَمَع كَنزاً». فأَخرَج لهم سَبع قُلَل (أَواني كَبيرة) من ذَهَب وفِضّة. فلمّا رَأَوها، صَلَبوه ورَمَوه بالحِجارة.

ثم جاءوا برَجُل آخَر، فما رَأى سَلمان رَجُلاً يَزهد في الدُّنيا ويَصدُق فيها مِثله. فلَزِمه مُدّة، حتى حَضَرَته الوَفاة، فسَأَله سَلمان: «إلى من تُوصي بي؟» قال: «إلى رَجُل بالمَوصِل، فإنّه على ما كنت عليه».

ثم لَزِم ذلك المَوصِليّ، حتى مات وأَوصى به إلى رَجُل بنَصيبين. ولَزِمه حتى مات وأَوصى به إلى رَجُل بعَمّوريّة من أَرض الرُّوم. ولَزِمه حتى حَضَرَته الوَفاة. فسَأَله سَلمان:

> «إلى من تُوصي بي؟»

قال:

> «يا بُنَيّ، والله ما أَعلم أَحَداً اليوم على ما نَحن عليه. ولكنّه قد أَظَلَّك زَمان نَبيّ، يُبعَث بدِين إبراهيم. يَخرُج بأَرض العَرب، مُهاجَره إلى أَرضٍ بَين حَرَّتَين، بَينهما نَخل، به عَلامات لا تَخفى: يَأكل الهَديّة، ولا يَأكل الصَّدَقة، وبَين كَتفَيه خاتَم النُّبُوّة. فإن استَطَعتَ أن تَخلُص إلى تلك البِلاد فافعَل».

الرِّحلة إلى أَرض النَّبيّ ﷺ

مات الراهب، فبَقي سَلمان بعَمّوريّة، حتى مَرّ به رَكب من العَرب من قَبيلة كَلب، فقال لهم: «تَحمِلوني إلى أَرض العَرب وأُعطيكم بَقَراتي هذه وغُنَيمَتي هذه؟» قالوا: نَعم. فحَمَلوه.

فلمّا بَلَغوا وادي القُرى، ظَلَموه، فباعوه من رَجُل من اليَهود عَبداً. فبَقي عِنده مُدّة، ثم قَدِم على ذلك اليَهوديّ ابن عَمٍّ له من بَني قُرَيظة بالمَدينة، فاشتَراه منه. فلمّا قَدِم المَدينة، عَرَفها سَلمان: «والذي نَفسي بيَده، ما هي إلا التي وَصَف لي صاحِبي».

اللِّقاء بالنَّبيّ ﷺ

كان سَلمان يَعمَل في نَخل سَيِّده، حتى قَدِم النبيّ ﷺ إلى المَدينة مُهاجِراً، ثم نَزل قُباء.

سَمِع سَلمان النّاس يَتحَدَّثون، فسَقَط من أَعلى النَّخلة عند سَماع الخَبَر. ثم نَزَل، وذَهَب إلى النبيّ ﷺ، وفي يَده شَيء من تَمر، وقال: «بَلَغني أنّك رَجُل صالح، ومَعك أَصحاب لك غُرَباء وذو حاجة. وكان عِندي شَيء للصَّدَقة، فرأَيتُكم أَحَقّ به».

فقَدَّمه إلى النبيّ ﷺ، فقال للصَّحابة: «كُلوا»، وأَمسَك يَدَه ﷺ ولم يَأكل.

قال سَلمان في نَفسه: «هذه واحدة».

ثم تَحَوَّل النبيّ ﷺ إلى المَدينة. فجاءه سَلمان بشَيء آخَر من تَمر، وقال: «رأَيتُك لا تَأكل من الصَّدَقة، وهذه هَديّة أَكرَمتُك بها». فأَكل النبيّ ﷺ منها، وأَكل أَصحابه.

قال سَلمان: «هاتان اثنَتان».

ثم جاء يَوماً والنبيّ ﷺ يَتبَع جَنازة بأَصحابه، وعليه شَملَتان. فدار حَوله سَلمان لينظر إلى خاتَم النُّبُوّة بَين كَتفَيه. ففَطَن النبيّ ﷺ لمَطلَبه، فأَلقى الرِّداء عن ظَهره، فرأى سَلمان الخاتَم، فأَكَبّ عليه يُقَبِّله ويَبكي.

فقال له النبيّ ﷺ: «تَحَوَّل»، فجَلَس بَين يَدَيه، فقَصّ عليه قِصَّته. فعَجِب الصَّحابة منها.

تَحرير سَلمان من العُبوديّة

قال له النبيّ ﷺ: «كاتِب يا سَلمان» (أَي اعقِد مع سَيِّدك على ثَمَن تَدفَعه لقاء حُرّيَّتك).

فكاتَبه سَيِّده على ثَلاثمئة نَخلة يَغرِسها له، وأَربعين أُوقية من ذَهَب.

فقال النبيّ ﷺ للصَّحابة: «أَعينوا أَخاكم». فأَعانوه بالنَّخل، حتى اجتَمَع له ثَلاثمئة وَدِيّة (نَخلة صَغيرة)، وغَرَسها النبيّ ﷺ بيَده الكَريمة. فعاش جَميعها، ولم تَمت منها واحدة.

ثم أَتى رَجُل بقِطعة من ذَهَب من بَعض المَعادن، فدَفَعها النبيّ ﷺ لسَلمان، فأَدّى منها الأَربعين أُوقية.

وأَصبَح سَلمان حُرّاً.

مَواقفه

  • يَوم الخَندق: كان هو الذي أَشار بحَفر الخَندق على رأي الفُرس. تَنازَع المُهاجِرون والأَنصار: «سَلمان مِنّا». فقال النبيّ ﷺ: «سَلمان مِنّا أَهل البَيت».
  • زُهد عَجيب: حين تَولّى إمارة المَدائن في خِلافة عمر، كانت تَخرُج له عَطاء سَنَويّ من بَيت المال، فيَتَصَدَّق بها كلِّها، ويَأكل من عَمَل يَدَيه يَنسج الخُوص.

وَفاتُه

لمّا حَضَرَته الوَفاة، بَكى. فقالوا: ما يُبكيك؟ قال: «عَهِد إلَينا رَسول الله ﷺ عَهداً، فما أَرانا إلا قد تَعَدَّيناه». قالوا: ما عَهِد إليك؟ قال: «إنّما يَكفي أَحَدَكم من الدُّنيا مِثل زاد الراكب». ثم نَظَر إلى ما حَوله، فإذا هو إكاف ومَطهَرة وجَفنَة.

دُروس من حَياته

1) الحَقّ يَستَحِقّ كلّ ثَمَن

ترك أَهله، تَرَك ثَروَته، تَرَك بَلَده، بِيع عَبداً أَكثَر من مَرّة — كلّ ذلك ليَصل إلى الحَقّ. فما الذي يَمنعنا نحن وقد جاءنا الحَقّ على طَبَق؟

2) الإسلام لا قَوميّة فيه

فارِسيّ خَدَم النَّصارى عَقوداً ثم أَسلَم، فقال له ﷺ: «سَلمان مِنّا أَهل البَيت». فالأُخُوّة في الدِّين أَقوى من الأُخُوّة في الدَّم.

3) العِبادة الحَقيقيّة في القَلب

كان سَلمان وَلِيّاً عَظيماً ولم يَكن غَنيّاً ولا قَوِيّاً. بل كان زاهداً يَنام على الحَصير.

4) العِلم نِعمة، إن لم تَنفَع به الخَير، أَكَل صاحبه

كان أُسقُف الكَنيسة الأَوَّل عالِماً، لكنّه كَنَز الذَّهَب فقَتَله الناس برَمي الحجارة. العِلم بدون عَمَل نِقمة.

5) المُؤمن مَن أَتعَب نَفسه ليُريحها يَومَ القِيامة

رِحلة سَلمان الطَّويلة كانت كلّها تَعَباً. فكان نَتيجَة ذلك التَّعَب أن قال له النبيّ ﷺ: «سَلمان مِنّا أَهل البَيت». وإذا أَبَى الإنسان التَّعَب لله، تَعِب لغَيره.

المراجع والمصادر

مسند أحمد بإسناد صحّحه شعيب الأرناؤوط. سيرة ابن هشام. سير أعلام النبلاء.