شمائل النبي ﷺ

حِلْمه ﷺ وعَفْوُه

لو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك. كانت سَجِيّة النبي ﷺ الحِلم والصَّفح حتى عند المَقدِرة.

الحِلْم: هو ضَبط النفس عند الغضب. والعَفْو: ترك العقوبة على ما يَستحقّها. وكان النبي ﷺ يَجمع الصفتين في أعلى مَراتبهما.

قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159].

حِلْمه مع الأعرابي الذي جذَبه

كان ﷺ يَمشي وعليه بُرد نَجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجَبَذه بردائه جَبْذةً شديدةً حتى أثّرت حاشيةُ البُرد في صَفْحَة عُنُقه ﷺ. ثم قال الأعرابيُّ: «يا محمد، أَعطني من مال الله الذي عندك!» فالتفت إليه ﷺ ثم ضَحك، ثم أَمَر له بعَطاء (متفق عليه).

تخيّل: رجلٌ يَجذبك بقوّةٍ تُؤثِّر في رقبتك ثم يَطلب المال — والنبيُّ ﷺ يَضحك ويُعطيه!

مع الأعرابي الذي بَال في المسجد

دخل أعرابيّ المسجد فبال في ناحيةٍ منه. فقام إليه الصحابة لينهروه، فقال ﷺ: «دَعُوه ولا تَزْرِموه» (أي لا تَقطعوا عليه بَوله). ثم لمّا فَرغ، أمر بذَنُوبٍ من ماء فصُبّ عليه.

ثم دَعا الأعرابيَّ وقال له: «إنّ هذه المساجد لا تَصلح لشيءٍ من هذا البَول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» (صحيح مسلم بنحوه).

كان يُمكنه أن يُعَنِّفه أو يُعاقبه، لكنّه عَلَّمه برِفقٍ. حتى قال الأعرابيّ بَعدها: «اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تَرحم معنا أحداً». فقال ﷺ: «لقد حَجَّرتَ واسعاً» (سنن أبي داود وصحّحه الأرناؤوط).

مع غَوْرَث بن الحارث

في غزوة ذات الرِّقاع، نام النبي ﷺ تحت شجرة وعَلّق سَيفه عليها. جاءه أعرابيّ مشركٌ وأخذ السيف وقال: «من يَمنعك مني؟» فقال ﷺ: «الله». فسَقَط السَّيف من يد الأعرابي فأخذه النبي ﷺ ثم قال: «من يَمنعُك منّي؟» فقال: «كُنْ خيرَ آخذ». فعَفا عنه ﷺ. (متفق عليه).

يومَ فَتح مكة

في فَتح مكة قَدرَ ﷺ على من عَذّبه وعذّب أصحابه ثلاث عشرة سنة. كان يَستطيع أن يَنتقم منهم. فماذا فَعل؟ قال لقريش: «ما تَرَوْن أنّي فاعلٌ بكم؟» قالوا: «خيراً، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم». فقال: «اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء» (السيرة لابن هشام).

عَفا عن:

  • أبي سفيان الذي حاربه.
  • هند التي أكَلت كَبد عَمّه حمزة.
  • عِكرمة بن أبي جَهل ابن الذي عَذّبه.
  • صَفوان بن أُمَيّة الذي حاربه.

مع اليهودي الذي سَحَره

سَحَره لَبيد بن الأَعصم اليهودي. لمّا وَقع السحر اشتدّ على النبي ﷺ، حتى جاءه جبريل وأَخبره. فأرسل ﷺ من أتى بسِحره من بئر ذَرْوان وأَبطله. ولم يَنتقم من اللَّبيد (متفق عليه).

كان يَكفيه ضَرب عُنقه، لكنّه ﷺ خَشي أن يُثير ذلك على المسلمين فِتنة، فعَفا.

مع المنافقين

كان ﷺ يَعلم أعيان المنافقين، ولم يَقتلهم مع علمه أنهم يَكِيدون له. لمّا قال ابن أُبَيّ زعيمُ المنافقين: «لئن رجعنا إلى المدينة لَيُخْرِجنّ الأعزُّ منها الأذلّ»، أراد عمر قتله، فقال ﷺ: «دَعه، لا يَتَحدّث الناس أنّ محمداً يَقتل أصحابه» (متفق عليه).

شَرطه ﷺ في العَفو

ليس العَفو عند النبي ﷺ ضَعفاً، بل قُوّة. لمّا انْتُهكت حُرُمات الله، كان ﷺ أشدَّ الناس غَضَباً. قالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قطّ إلا أخذ أيسرَهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تُنْتَهَك حُرمة الله، فيَنْتَقم لله بها» (متفق عليه).

درس للأمة

العَفو عند المَقدِرة من أعظم الفضائل، وقد مَدح الله العافين عن الناس. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

ولكنّ العَفو يَكون في حقّ النَّفْس، أمّا حُدود الله فلا تَعفو فيها.

المراجع والمصادر

صحيح البخاري ومسلم. سيرة ابن هشام. زاد المعاد.