قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فكانت رحمته ﷺ شاملةً لكل الخلق: المسلم، الكافر، الصغير، الكبير، الإنسان، الحيوان.
رحمته ﷺ بأمّته
أخبر النبي ﷺ بمحبّته العظيمة لأمته، حتى ادّخر دعوته لهم في الآخرة. قال ﷺ: «لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ يَدعو بها، وأريدُ — إن شاء الله — أن أَختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة» (متفق عليه).
ومن مظاهر شفقته:
- يقوم في الصلاة فيَسمع بكاء الصبيّ، فيُخفّف الصلاة شفقةً على أمّه.
- يَنهى عن قيام الليل خشية أن يَعجز الناس.
- يَكره أن يأمر بالشيء الواجب فيَتشدّد فيه أصحابه.
قال ﷺ: «مالي رأيتكم في صلاتكم منكوسي الرءوس؟ ما من رجل من أهل بيت يَنصرف من الصلاة إلا غُفر له ما خلا. ولولا أن تكون كذلك في كل صلاة لما رددتها على بقية أصحابي» (صحيح مسلم بنحوه).
بكاؤه ﷺ شفقةً على أمّته
لمّا قرأ قول إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، وقول عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، رفع يديه وقال: «اللهم أمّتي أمّتي» وبكى. فقال الله: «يا جبريل اذهب إلى محمد فاسأله ما يُبْكيه». فأخبره جبريلُ، فقال الله: «يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سَنُرضيك في أمّتك ولا نَسُؤُك» (صحيح مسلم).
رحمته بالأطفال
كان ﷺ يَقبّل أحفاده ويُلاعبهم. ولما رآه الأقرع بن حابس يُقبّل الحسن، قال: «إن لي عشرة من الولد ما قبّلتُ منهم أحداً». فنظر إليه ﷺ ثم قال: «من لا يَرحم لا يُرحم» (متفق عليه).
وكان يُصلِّي وإذا سَجد جاءته الحسن أو الحسين فيَجلس على ظهره، فلا يَرفع رأسه حتى يَنصرف الصبيّ.
رحمته بالنساء
في خُطبة الوداع أوصى بالنساء: «استوصوا بالنساء خيراً، فإنهنّ عِندكم عَوَان» (الترمذي وحسّنه).
ووصى الزوج بزوجته: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (الترمذي وحسّنه).
رحمته حتى بالحيوان
دخل الجنّة بَغِيٌّ سَقَت كلباً، ودخلت النار امرأة في هرّة (متفق عليه).
ونَهى ﷺ عن قتل الحيوان لغير منفعة، وعن تَعذيبه، وأمر بإحسان الذبح: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قَتلتم فأَحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأَحسنوا الذِّبحة، وليُحِدّ أحدكم شَفرته، ولْيُرِح ذبيحته» (صحيح مسلم).
رحمته حتى بالكافر
لمّا اشتدّ أذى أهل الطائف عليه ودَمِيت قدماه ﷺ، جاءه ملك الجبال وقال: «إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأَخْشبين». فقال ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يَعبد الله وحدَه لا يُشرك به شيئاً» (متفق عليه).
ولمّا فَتح مكة قال لقريش الذين عَذّبوه وعَذّبوا أصحابه: «اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء» (السيرة لابن هشام).
درس للأمة
من اتّبع النبي ﷺ حقّاً اتّسم برحمته. وقد أخبر ﷺ: «لا يَدخل الجنّة إلا رحيم» قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم. قال: «ليس برحمة أحدكم نفسه، ولكن رحمته العامّة» (مسند أحمد وحسّنه الأرناؤوط).
ينبغي للداعية أن يَجمع بين القوّة في الحقّ والرحمة في التعامل، فالقسوة تُنفِّر، والرحمة تَجذب.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. تفسير ابن كثير. سيرة ابن هشام.