سير الصحابة

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه — طلحة الخير

أحد العشرة المبشَّرين بالجنة. سُمّي «طلحة الخير» لكَرَمِه، ووَقاه النبي ﷺ بِيَده يوم أُحد.

هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التَّيْميّ القرشيّ. يَلتقي نَسبه بالنبي ﷺ وبأبي بكر في «مُرّة بن كَعب». كنيته: أبو محمد.

ألقابه عند النبي ﷺ:

  • طلحة الخير يوم بَدر.
  • طلحة الفَيّاض يوم العُشَيرة.
  • طلحة الجُود يوم خَيبر.

وُلِد بمكة قَبل البَعثة بنحو 27 سنة. كان من أَشراف قريش، تاجراً ناجحاً، كَريماً جَواداً.

إسلامه

كان من السابقين الأوّلين. أَسلم على يَد أبي بكر الصدّيق. وقَع عليه عَذاب شديد من قريش بَسبب إسلامه، حتى رُبط هو وأبو بكر بحَبْل واحد.

فضائله

  • أحد العَشرة المبشَّرين بالجنة: قال ﷺ: «العشرة في الجنّة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد» (الترمذي وصحّحه).
  • شَهيدٌ يَمشي على الأرض: قال ﷺ يوم أُحد: «مَن سَرّه أن يَنظر إلى شَهيدٍ يَمشي على وجه الأرض فلْيَنظر إلى طلحة» (الترمذي وحسّنه).
  • أَوْجَب طلحة: لمّا قال له النبي ﷺ يوم أحد: «أَوْجَب طلحة» (أي أَوْجَب الجنّة).

يوم أُحد

كان طلحة من الأَبطال الذين ثَبتوا مع النبي ﷺ يوم انكسر الصحابة. لمّا أَراد النبي ﷺ أن يَصعد على صَخرة، قال: «من يَرفعني؟» فجَلس طلحة تحت قَدميه ورَفعه. ثم وَقاه بيَده من السهام التي تأتيه ﷺ، حتى شَلّت يَده من كَثرة الجراح. أُصيب بأكثر من 70 جُرحاً وضَربة بسَهم وطَعنة برُمح، وما تَنحّى عن النبي ﷺ.

قال أبو بكر بعدها: «ذلك يوم كان كلُّه لطلحة» (سنن الترمذي).

كَرمه

كان أكرم الناس. باع أرضاً بسبعمئة ألف، فبات تلك الليلة أَرِقاً يَتقلّب من الخوف منها. ثم أَصبح فقَسّمها على فقراء المسلمين قَبل أن يُصلِّي الفجر.

قَالت زوجتُه: «والله ما طَلعت عليك الشمس وأنت قَلِق إلا وأنت مَهموم». وكان يقول: «لا يبيت في بيتي درهم».

في الفتنة

كان من أوائل المُطالبين بدم عثمان. وفي مَوقعة الجَمَل كان معتزِلاً للقتال أصلاً، خرج لإصلاح ذات البين. ولكن سَهماً غادراً أصابه فاستُشهد. قَتله مَرْوان بن الحَكَم بسَهم.

كان عليّ رضي الله عنه يَمسحُ التراب عن وجهه ويقول: «عَزَّ عَلَيَّ أبا محمد أن أَراك مُجَدَّلاً تحت نُجوم السماء».

استشهاده ودَفنه

استُشهد سنة 36هـ، عن 64 سنة. دُفن بالبَصرة رضي الله عنه. ووَجَدَه بعضُ أَهله في المنام بَعد دَفنه يَشكو رُطوبة قَبره، فَنُقل إلى مَكان آخَر، فوُجد جَسده طَرِياً كأنه مات اليوم.

دروس من حياته

  • النَّخْوة في حِماية الحقّ: حِماية النبي ﷺ يوم أحد من أعظم بُطولات التاريخ.
  • الكَرَم بلا حِساب: كان لا يَنام وعنده مال، يُنفقه قَبل أن يَطلع الفجر.
  • الاعتزال في الفتنة: حاول الإصلاح ولم يَكن من المُحرّضين على القتال.
  • الجَمع بين القوّة والكَرم: قَوي في المعركة، كَريم في السِّلم.

قصّة مؤثّرة — يوم أُحُد، الجَسَدُ التُّرس

في يوم أُحُد، حِين انكَشفَ المسلمون بَعد مُخالفة الرُّماة، وأَحاط المشركون بالنبي ﷺ، وانفَرَدوا به ﷺ من كلّ جانب — وَجد طَلحة الفُرصة لِيَصنَع ما لم يَصنعه أَحد.

نَزلت السهام على النبي ﷺ من كل ناحية. تَلقَّى طلحة السهام بصَدره ووَجهه ويَدَيْه دون النبي ﷺ. لمّا أَراد ﷺ أن يَصعد على صَخرة، جَعَل طلحة نَفسه سُلَّماً للنبي ﷺ، فجَلس على رُكبتَيه ورَفعه على ظَهره حتى صَعد.

كان النبي ﷺ يقول لِكَفِّه المُشَلَّةِ بسَهم: «ارمِ سَعد، فِداك أبي وأمّي» (لسعد بن أبي وقّاص)، أمّا طلحة فقد قَطعَ السَّهم إصبعَه، فقال طلحة: «حَسّ!» فقال له النبي ﷺ: «لو قُلتَ بسم الله لرَفَعَتك الملائكةُ والناسُ يَنظرون إليك».

في نِهاية المعركة، عَدُّوا في جسده أَكثر من سَبعين جُرحاً وضَربةً وطَعنةً ورَمْيَة سَهم. شُلَّت يَدُه التي وَقى بها وَجهَ النبي ﷺ.

قال أبو بكر بَعدها: «ذلك اليومُ كلُّه لِطَلحة». وقال له النبي ﷺ: «أَوْجَب طَلحة» — أي أَوْجَب الجنّة.

الدَّرس: الفِداء بكلّ جَسَد. لم يَتأخّر طلحة خَطوة، بل تَقدّم لِيَكون «تُرساً بَشَرياً» أمام السَّهام. يَدُه المَشلولة بَقيت شاهداً على هذا اليوم بقيّة عُمره.

المراجع والمصادر

صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء. الإصابة لابن حجر.