سير الصحابة

عمر بن الخطّاب رضي الله عنه — الفاروق

ثاني الخلفاء الراشدين، الفاروق الذي فَرّق الله به بين الحقّ والباطل. أعزَّ الله به الإسلام.

هو عمر بن الخطاب بن نُفَيْل بن عبد العُزّى بن رِيَاح بن قُرْط بن رَزاح بن عَدِيّ بن كَعب بن لُؤيّ العَدَويّ القرشيّ. يَلتقي نَسبه بالنبي ﷺ في "كَعب بن لُؤيّ".

كنيته: أبو حَفْص. ولَقَبه: الفاروق (لقّبه به النبي ﷺ لأنه فَرَّق به بين الحقّ والباطل).

وُلِد بمكة بعد عام الفِيل بثلاث عشرة سنة (38 ق.هـ تقريباً). كان من أَشراف قريش، عالماً بالأنساب، كاتباً (وكان قِلّةٌ في قريش يَكتبون). عُرف بشدّته في الجاهلية وقوّته الجَسديّة.

إسلامه

أَسلم في السنة السادسة من البعثة، عن 27 سنة. كانت قصة إسلامه من أعجب القصص:

خرج يُريد قَتل النبي ﷺ، فلَقيه نُعَيم بن عبد الله فقال له: «أَلا تبدأ ببَيت أُختك؟ فإنها قد أَسلمت». فذَهب فوَجدها وزوجها يَقرءان القرآن، فضَرب أخته، ثم لمّا رأى الدم قال: «أعطوني هذه الصحيفة التي كنتم تَقرءون». فقالت: «إنك نَجس، ولا يَمسّه إلا الطاهرون». فاغْتَسل، وقَرأ صدر سورة طه:

﴿

﴿طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ — حتى بلغ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ — فقال: «دُلّوني على محمد». فذَهب فأَسلم. (السيرة لابن إسحاق).

استبشر النبي ﷺ بإسلامه، وقد دعا الله: «اللهم أَعِزَّ الإسلامَ بأحدِ الرجلين أحبّهما إليك: بأبي جَهْل أو بعمر بن الخطّاب». فأعزّه بعمر (الترمذي وحسّنه).

فضائله

  • مُحدَّث: قال ﷺ: «قد كان فيمن قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمّتي أحدٌ فعمر» (متفق عليه).
  • يَهرُب الشيطان منه: قال ﷺ: «إيهٍ يا ابن الخطّاب! والذي نفسي بيده، ما لَقِيك الشيطان قطّ سالكاً فَجّاً إلا سَلَك فَجّاً غير فَجِّك» (متفق عليه).
  • رؤيا قَصره في الجنة: رأى ﷺ قَصراً في الجنّة فسَأل: لمن؟ قِيل: لعمر. فأراد الدخول فذَكر غَيْرة عمر فبَكى عمر وقال: «أَعَليك أَغار يا رسول الله؟!» (متفق عليه).
  • مُوافقات القرآن: نَزل القرآن موافقاً لرأيه في عدّة مَواطن (في أُسارى بدر، في الحجاب، في مقام إبراهيم...).

خِلافته (13-23 هـ)

كانت عَصرَ الفُتوح العظمى:

  • فَتح القُدس سنة 16هـ، ودخلها عمر متواضعاً يَقود الجَمل وغُلامه راكب.
  • فَتح فارس: على يد سعد بن أبي وقّاص في القادسية.
  • فَتح مصر: على يد عمرو بن العاص.
  • فَتح الشام: على يد أبي عبيدة بن الجرّاح.

مَنهج عمر في الحُكم

كان نَموذجاً للحاكم المسلم العادل:

  • يَخرج بنفسه ليلاً يَتفقّد الناس.
  • يَأكل من خَشِن الطعام: قِيل له: «لو لانَ مأكلُك». قال: «إنّي خَشيتُ ألا أُسأل عن رَعيّتي يوم القيامة».
  • يَتقاضى من بَيت المال على قَدر حاجته.
  • مات وفي إزاره ثمانية رِقاع (أي مَخيطة من الفقر).
  • لما رأى الرومُ خِلافة المسلمين قالوا: «وَيلَكم! ما هذا إلا نبيّ، أو قِسّيس!»

استشهاده

دَخل عليه أبو لُؤْلؤة المَجوسي وهو في صلاة الفجر، فطَعنه ست طَعنات، فاستُشهد رضي الله عنه يوم الأَربعاء 27 ذي الحِجّة سنة 23هـ، عن 63 سنة. دُفن إلى جوار النبي ﷺ وأبي بكر في حُجرة عائشة بعد أن أَذِنت له.

أعظم دُروسه

  • الزُّهد مع المُلك: حكم نِصف العالم وكان يَخصف نَعله ويأكل خَشِن الخبز.
  • العَدل المُطْلَق: حتى مع نفسه وأبنائه.
  • الورع في الحُكم: قال: «لو أنّ بَغلةً عَثَرَت في طريق العراق لَخَشيتُ أن يَسألني الله عنها: لمَ لمْ تُسوِّ لها الطريق».
  • الإصلاح المُؤسَّسي: أسّس الدواوين، وقَدَّم التاريخ الهجري، ووَضع نِظام البَريد.

قصّة مؤثّرة — لحظةُ إسلامِه

خَرج عمرُ يوماً مُتقلّداً سَيفه، يُريد قَتل النبي ﷺ. لَقيه في الطريق نُعَيم بن عبد الله، فسأله: «أين تُريد يا عمر؟» قال: «أُريد محمداً، هذا الصابِئ الذي فَرَّق أَمرَ قُريش، فأَقتله».

قال نُعَيم: «أَفلا تَبدأ بأَهل بيتك فتُقيمَهم؟ أُختك فاطمة بنت الخطّاب وزوجها سعيد بن زيد قد أَسلما!»

فعاد عمر مُتَّجِهاً إلى بيت أُخته. سَمع تَلاوة قرآن. طَرَق الباب فأَخفَوا الصَّحيفة. دَخل مُغْضَباً، صَفع زَوج أُخته، فَلَمّا حالت أُخته دونه ضَربها فأَدماها.

لمّا رأى الدم، نَدِم. قال: «أَعطوني هذه الصحيفة التي كنتُم تَقرءون». فقالت أُخته: «إنَّك نَجِسٌ على شِركك، ولا يَمَسُّها إلا الطَّاهرون. قُم فاغْتَسل أو تَوضّأ».

اغْتَسل، ثم أَخذ الصحيفة فَقَرأ صَدر سورة طه:

﴿

﴿طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ۝ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾

حتى بَلَغ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].

ارْتَجَّ كِيانه. قال: «ما أَحسنَ هذا الكلام وأَكرمَه! دُلّوني على محمد».

ذَهب إلى دار الأَرقم. لمّا دَخل، خَرج إليه النبي ﷺ فأَخذ بمَجامع ثَوبه وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطّاب؟» قال: «جئتُ لأُومِنَ بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله». فكَبَّر النبي ﷺ والصحابة تَكبيراً سَمعه أَهل مكة.

كان عُمر دُعاء النبي ﷺ المُستجاب: «اللهم أَعِزَّ الإسلام بأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَحَبَّهما إليك: بأبي جَهْل أو بعمر بن الخطّاب». فأَعَزَّه بعمر (الترمذي وحسّنه).

الدَّرس: كَلامُ الله ﷻ وحدَه يَكسِر القُلوب القاسية ويُحَوِّل الأَعداء إلى أَنصار.

المراجع والمصادر

صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء. الفاروق عمر للصلابي. تاريخ الطبري.