مَوضوع الأَسماء والصِّفات أَكثَر ما اختَلَفَت فيه الفِرَق. هَذه الصَّفحة تُوَضِّح مَنهَج السَّلَف وتَفصيل مَن خالَفَه، بأَدَب وبَيان، بدون قَسوة ولا تَمييع. كَثير من المُسلمين اليَوم يَنتَسِبون لمَذاهِب اعتِقادية ظَنّاً منهم أنّها مَذهَب الجُمهور، وهي في الحَقيقة مُخالِفة لمَنهَج الصَّحابة والتّابِعين والأَئمّة الأَربَعة.
الأَدلّة
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
تَفصيل ومَسائل
مَنهَج السَّلَف — الإثبات بلا تَكييف
كل ما أَثبَته الله لنَفسه أَو أَثبَته له رَسوله ﷺ من الأَسماء والصِّفات نُثبِته كَما جاء، عَلى ظاهِره، عَلى الوَجه اللائق بجَلاله، بلا: تَحريف (تَغيير المَعنى) ولا تَعطيل (نَفيه) ولا تَكييف (تَحديد الكَيفية) ولا تَمثيل (تَشبيهه بالمَخلوق). هذا مَذهَب الصَّحابة والتّابِعين والأَئمّة الأَربَعة (مالِك، أَبو حَنيفة، الشّافِعي، أَحمد) والبُخاريّ ومُسلم وغَيرهم من أَئمّة السُّنّة. قال الإمام مالِك في الاستِواء: «الاستِواء مَعلوم، والكَيف مَجهول، والإيمان به واجِب، والسُّؤال عنه بِدعة».
الجَهمية والمُعتَزِلة — تَعطيل كامِل
الجَهمية (أَتباع جَهم بن صَفوان، تـ١٢٨هـ): يَنفون كل الصِّفات عَن الله، يَقولون «الله ذات بدون صِفات». المُعتَزِلة: ينفون الصِّفات ويُثبِتون الأَسماء فقط (يَقولون «الله سَميع بلا سَمع، عَليم بلا عِلم»). كلاهما خَرَجَت عَن مَنهَج السَّلَف بإجماع. الإمام أَحمد وغَيره كَفَّروا جَهماً وعَنيفي أَتباعه. أَمّا المُعتَزِلة فحُكمهم بِدعة كُبرى، وفي تَكفير غُلاتهم خِلاف بَين السَّلَف.
مَسأَلة «خَلق القُرآن» — مِحنة الإمام أَحمد
قَول «القُرآن مَخلوق» قَول الجَهمية والمُعتَزِلة، رَدّه أَهل السُّنّة بقُوّة. القُرآن كَلام الله غَير مَخلوق، نَزَل من الله ويَعود إلَيه. حين فَرَض الخَليفة المَأمون ثم المُعتَصِم ثم الواثِق هذا القَول عَلى النّاس في «المِحنة» (٢١٨-٢٣٢هـ)، صَمَد الإمام أَحمد بن حَنبَل في السِّجن والضَّرب، حَتى عاد الحَقّ في عَهد المُتَوَكِّل. قال الإمام أَحمد: «مَن قال القُرآن مَخلوق فهو جَهمي كافِر». بَعض المُتأَخِّرين قالوا «اللَّفظ بالقُرآن مَخلوق» مُحاوَلين الحَلّ الوَسَط — رَدّه الإمام أَحمد أَيضاً كذَريعة لقَول المُعتَزِلة. الحَقّ: القُرآن كَلام الله، صِفة من صِفاته، غَير مَخلوق.
الأَشاعِرة — تَفصيل لا قَسوة فيه
الأَشاعِرة فِرقة كَلامية ظَهَرَت في القَرن الرّابِع الهِجري، نُسِبَت لأَبي الحَسَن الأَشعَري (تـ٣٢٤هـ) — مع أنّه رَجَع في آخِر حَياته إلى مَذهَب أَهل الحَديث (كَما في كِتابه «الإبانة»). مَوقِفهم من الصِّفات: يُثبِتون ٧ صِفات بالعَقل (الحَياة، العِلم، القُدرة، الإرادة، السَّمع، البَصَر، الكَلام). يَنفون أَو يُؤَوِّلون باقي الصِّفات (اليَد، الوَجه، الاستِواء، النُّزول، المَجيء) — يَقولون مَثَلاً «الاستِواء بمَعنى الاستيلاء، اليَد بمَعنى القُدرة». الحُكم: مَنهَجهم مُخالِف لمَنهَج السَّلَف في هذا الباب، وفيه تَأويل لا يَنبَني عَلى دَليل. لَكنّهم لَيسوا كالجَهمية المُعَطِّلة الكامِلة، فهم يُثبِتون ما لا يُثبِته أُولئك. لذلك العُلَماء فَرَّقوا بَينهم: الأَشعَري بِدعة، الجَهمي كُفر صَريح.
هَل كل عُلَماء الأُمّة أَشاعِرة؟
هذه دَعوى يُكَرِّرها بَعض المُنتَسِبين للأَشاعِرة اليَوم، وهي دَعوى مُجانِبة للحَقيقة. الواقِع: (١) الصَّحابة والتّابِعون وتابِعوهم وأَئمّة الإسلام الأَربَعة (مالِك، أَبو حَنيفة، الشّافِعي، أَحمد) وأَئمّة الحَديث (البُخاريّ، مُسلم، أَبو داود، التِّرمذي، النَّسائيّ، ابن ماجه، ابن خُزَيمة، الدارِمي) كلّهم عَلى مَنهَج السَّلَف، لا عَلى مَنهَج الأَشعَري — لأنّ الأَشعَري وُلِد بَعدهم. (٢) أَئمّة كِبار جاؤوا بَعد الأَشعَري ولَم يَكونوا أَشاعِرة: ابن خُزَيمة، الدارَقُطني، ابن تَيمية، ابن القَيِّم، ابن كَثير، الذَّهَبي، ابن رَجَب، السُّيوطي، الصَّنعاني، الشَّوكاني. (٣) بَعض الأَئمّة المُتأَخِّرين (مِثل النَّوَوي وابن حَجَر) كان لَهم تَأَثُّر بمَنهَج الأَشاعِرة في بَعض المَسائل، مَع كَونهم سُنّيين في كَثير من جَوانِب اعتِقادهم. لا نَطعَن في عِلمهم، لَكن نَخالِفهم فيما خالَفوا فيه السَّلَف.
كَيف نَتَعامَل مَع المُنتَسِبين للأَشاعِرة اليَوم؟
بأَدَب وعِلم، لا بقَسوة ولا تَكفير. أَكثَرهم لا يَعرِف تَفاصيل المَذهَب أَصلاً، يَنتَسِب لهم لأنّه تَرَبّى عَلى ذلك أَو ظَنّ أنّه مَذهَب الجُمهور. المَنهَج: (١) نَتَّفِق مَعهم في التَّوحيد العامّ والإسلام — هم مُسلِمون لا يُكَفَّرون. (٢) نَخالِفهم في مَنهَج الأَسماء والصِّفات — نُبَيِّن لَهم بأَدَب أنّ مَنهَج السَّلَف الإثبات. (٣) نُحَذِّر من غُلاتهم الذين يُكَفِّرون أَهل السُّنّة ويَتَّهِمونهم بالتَّجسيم. (٤) نَفصِل بَين الأَشعَري والجَهمي — الأَوَّل أَخفّ. (٥) ندعو إلى دِراسة كُتُب السَّلَف في الأَسماء والصِّفات: مَسائل ابن أَبي حاتِم لأَحمد، خَلق أَفعال العِباد للبُخاريّ، السُّنّة لعَبد الله بن أَحمد، شَرح أُصول اعتِقاد أَهل السُّنّة للالكائي.
تَنبيهات
<strong>لا نُكَفِّر الأَشاعِرة بأَعيانهم</strong> — هم مُسلِمون، وإن خالَفوا في باب الأَسماء والصِّفات.
<strong>نُكَفِّر القَول بأنّ القُرآن مَخلوق</strong> كَما كَفَّره الإمام أَحمد وأَهل السُّنّة بإجماع، أَمّا تَكفير القائل بعَينه فيَحتاج إقامة حُجّة.
<strong>الجَهمي المُعَطِّل الكامِل</strong> أَشَدّ من الأَشعَري بكَثير — قَد كَفَّره الإمام أَحمد ومَن وافَقه من أَئمّة السُّنّة.
احذَر التَّعَصُّب الذي يَجعَل الأَشعَرية «الإسلام» وغَيرها «تَجسيم»، أَو يَجعَل السَّلَفية «الإسلام» والأَشاعِرة «كُفّاراً». كِلا الطَّرَفَين تَجاوُز للحَقّ.