الشَّفاعة من أَعظَم مَواهِب الله لنَبيّه ﷺ، ومن أَعظَم رَحمَته بالخَلق يَوم القيامة. أَنواعها مُتَعَدِّدة، أَعظَمها الشَّفاعة العُظمى — أَن يَبدَأ الحِساب فيَتَفَضَّل الله بَعد طول مُكث في عَرَصات المَوقِف. مَن أَحَبّ الشَّفاعة فلْيَتَّبِع طَريق التَّوحيد.
الأَدلّة
﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾
أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ ... فَيَأْتُونَ آدَمَ ... فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ ... فَيَأْتُونَنِي، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا ... فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.
أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ — أَوْ نَفْسِهِ.
تَفصيل ومَسائل
1. الشَّفاعة العُظمى — خاصّة بالنَّبيّ ﷺ
يَقِف النّاس في المَحشَر ساعات طَويلة (50,000 سَنة من سَنوات الدُّنيا) تَحت شَمس قَريبة، يَتَصَبَّبون عَرَقاً. يَفزَعون إلى آدَم لِيَشفَع، فَيَعتَذِر. ثم إلى نوح، إبراهيم، موسى، عيسى — كلٌّ يَعتَذِر. حَتى يَأتوا للنَّبيّ ﷺ فيَستَجيب، يَقَع ساجِداً تَحت العَرش، فيَأذَن الله ببَدء الحِساب. هذا هو «المَقام المَحمود».
2. شَفاعَته ﷺ في أَهل الجنّة لدُخولها
بَعد العُبور عَلى الصِّراط، يَستَقِرّ المُؤمِنون عَلى قَنطَرة بَين الجنّة والنّار. لكن لا يَدخُلون الجنّة حَتى يَشفَع لهم النَّبيّ ﷺ في فَتح أَبوابها. هو ﷺ أَوّل من يُفتَح له. هذا خاصّ به ﷺ.
3. شَفاعَته ﷺ في عَمّه أَبي طالِب
أَبو طالِب مات كافِراً، فلا يَنتَفِع بشَفاعة. لكن النَّبيّ ﷺ شَفَع له بتَخفيف عَذابه، فيُجعَل في ضَحضاح من نار، عَلَيه نَعلان من نار يَغلي منهما دِماغه. هذا أَدنى أَهل النّار عَذاباً (مُسلم). تَخفيف لا إخراج. هذا خاصّ بأَبي طالِب لإكرامه للنَّبيّ ﷺ في الدُّنيا.
4. شَفاعَته ﷺ في عُصاة المُوَحِّدين
بَعد دُخول الكُفّار النّار، يَشفَع النَّبيّ ﷺ في عُصاة المُوَحِّدين الذين دَخَلوها بكَبائرهم. يُخرَجون منها ولَو كان في قَلوبهم مِثقال ذَرّة من إيمان. ثم بَعد النَّبيّ ﷺ يَشفَع الأَنبياء، ثم المَلائكة، ثم الصالِحون، ثم الشُّهداء، ثم الصِّبيان.
5. شَفاعة الصِّبيان لوالِديهم
الأَطفال الذين ماتوا قَبل البُلوغ يَشفَعون لوالِديهم. قال ﷺ: «صِغارهم دَعاميص الجنّة، يَتَلَقّى أَحَدهم أَباه فيَأخُذ بثَوبه ... فلا يَنتَهي حَتى يُدخِله الله وأَباه الجنّة» (مُسلم).
6. شَفاعة الشُّهداء لأَهلهم
الشَّهيد يَشفَع لسَبعين من أَهل بَيته. قال ﷺ: «إنّ للشَّهيد عند الله ستّ خِصال ... ويُشَفَّع في سَبعين من أَهل بَيته» (التِّرمذي وحسّنه ابن حجر).
7. شَفاعة الصّائِم والقُرآن
الصَّوم يَشفَع: «يَقول الصَّوم يَوم القيامة: مَنَعته الطَّعام والشَّراب فشَفِّعني فيه». والقُرآن يَشفَع: «اقرَؤوا القُرآن، فإنّه يَأتي يَوم القيامة شَفيعاً لأَصحابه» (مُسلم).
شُروط الشَّفاعة
(1) إذن الله للشّافِع: ﴿مَن ذَا الذي يَشفَع عِنده إلا بإذنه﴾. (2) رِضى الله عَن المَشفوع له: ﴿ولا يَشفَعون إلا لمَن ارتَضى﴾. هذا يَستَلزِم أَن يَكون مُوَحِّداً. الكافِر لا يَنتَفِع بشَفاعة، لقَوله تَعالى: ﴿فما تَنفَعهم شَفاعة الشّافِعين﴾.
الشَّفاعة المَنفية في القُرآن
نَفى الله أَنواعاً من الشَّفاعة: (1) الشَّفاعة بدون إذنه: لا أَحَد يَشفَع إلا بإذنه. (2) الشَّفاعة للكافِر: ﴿فما تَنفَعهم شَفاعة الشّافِعين﴾. (3) الشَّفاعة في إسقاط الحُقوق: لا تُسقَط حُقوق العِباد بشَفاعة. كَثير من النّاس يَدعون النَّبيّ ﷺ من قَبره بنِيّة طَلَب الشَّفاعة — وَهذا شِرك أَكبَر، لأنّ الشَّفاعة لا تُطلَب من النَّبيّ في قَبره، بَل تُطلَب من الله أن يَشفِّع نَبيّه فيك يَوم القيامة.
كَيف تَنال شَفاعَته ﷺ؟
(1) التَّوحيد الخالِص: «أَسعَد النّاس بشَفاعَتي مَن قال لا إله إلا الله خالِصاً من قَلبه». (2) الصَّلاة عَلَيه ﷺ كَثيراً: «أَولى النّاس بي يَوم القيامة أَكثَرهم عَلَيّ صَلاة» (التِّرمذي وحسّنه ابن حجر). (3) الدُّعاء بَعد الأَذان: «مَن قال حين يَسمَع النِّداء: اللهم رَبّ هذه الدَّعوة التامّة ... حَلَّت له شَفاعَتي» (البُخاريّ). (4) اتِّباع سُنّته.