كل عَمَل تَعمَله مُسَجَّل في صَحيفة، يَكتُبها مَلَكان مُوَكَّلان بك (الكِرام الكاتِبون). يَوم القيامة، يَستَلِم كل إنسان كِتابه: المُؤمِن بيَمينه فَرَحاً، الكافِر بشِماله أَو من وَراء ظَهره خِزياً. يَقرَأ النّاس كُتُبهم وتُسَلَّم بِشَكل عَلَني.
الأَدلّة
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ... وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾
﴿إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
تَفصيل ومَسائل
مَن يَكتُب أَعمالك؟
مَلَكان مُوَكَّلان بكل إنسان منذ بُلوغه. مَلَك عَن اليَمين يَكتُب الحَسَنات، مَلَك عَن الشِّمال يَكتُب السَّيِّئات. يُكَلَّفان بدون انقِطاع، حَتى في النَّوم وفي الخَلاء (تَنبيه: لا يَلزَم ذِكر الله في الخَلاء — يَخرُجان وقَت الحاجة). يُسَجِّلان كل قَول وكل فِعل وكل خاطِرة عَزَمت عَلَيها.
ما الذي يُكتَب؟
(1) الأَعمال: صَلاة، صَوم، صَدَقة، عُقوق، زِنا، رِبا. (2) الأَقوال: ذِكر، استِغفار، غيبة، نَميمة، كَذِب، إثبات الحَقّ. (3) النِّيّات الجادّة: هَمَمت بطاعة فعَزَمت ولم تَفعَل — تُكتَب حَسَنة. هَمَمت بمَعصية وعَزَمت ولم تَفعَل خَوفاً من الله — حَسَنة كامِلة. هَمَمت ولم تَترُكها خَوفاً من النّاس فقَط — تُكتَب سَيِّئة. هَمَمت ولم تَفعَل لعَجز — تُكتَب سَيِّئة كامِلة.
حَديث مُضاعَفة الحَسَنات
قال النَّبيّ ﷺ: «إذا هَمَّ عَبدي بحَسَنة ولم يَعمَلها، كَتَبتها له حَسَنة. فإن عَمِلها كَتَبتها له بعَشر أَمثالها إلى سَبعمائة ضِعف. وإذا هَمَّ بسَيِّئة ولم يَعمَلها، كَتَبتها له حَسَنة. فإن عَمِلها كَتَبتها سَيِّئة واحِدة» (مُسلم). فَضل عَظيم من الله: نِسبة المُضاعَفة في الحَسَنات أَكثَر من 7 أَضعاف، والسَّيِّئة بمِثلها.
كَيف يُسَلَّم الكِتاب؟
بَعد الحَشر، يُقَدِّم الله كِتاب كل إنسان. (1) المُؤمِن: يَأخُذه بيَمينه. يَفرَح، يُريد إعلان كِتابه: «هاؤمُ اقرَؤوا كِتابيَه». لأنّ كِتابه فيه حَسَنات. (2) الكافِر: يَأخُذه بشِماله من وَراء ظَهره. يَخزى، يَتَمَنّى لو لم يَلتَقي كِتابه: «يا لَيتَني لم أُوتَ كِتابيَه».
أَوَّل ما يُحاسَب عَلَيه العَبد
بَعد استِلام الكِتاب، يَبدَأ العَرض. قال النَّبيّ ﷺ: «أَوَّل ما يُحاسَب به العَبد يَوم القيامة من عَمَله صَلاته، فإن صَلَحت صَلَح سائِر عَمَله، وإن فَسَدَت فَسَد سائِر عَمَله» (الترمذي وحسّنه). فأَوَّل سُؤال: عَن الصَّلاة. ثُمَّ في الدِّماء — «أَوّل ما يُقضى بَين النّاس يَوم القيامة في الدِّماء» (مُتَّفَق عَلَيه). ثُمَّ في المَظالِم والحُقوق.
تَفاصيل العَرض الأَوَّل
1. الصَّلاة: تُسأَل عَن صَلَواتك الخَمس. إن نَقَصَت، يَنظُر هَل تَطَوَّعت بشَيء؟ إن نَعَم، يُكَمَّل النَّقص من النّافِلة. 2. الدِّماء: إن قَتَلت أَو أَذَيت، يُسأَل عنه. الدَّم أَوّل ما يُحاسَب بَين النّاس. 3. الزَّكاة: مَن مَنَعها، تَأتيه بصورة عُذاب يَوم القيامة. 4. الصَّوم. 5. الحَجّ. 6. حُقوق العِباد: المال المَأخوذ ظُلماً، الكَلام السَّيِّئ، النَّميمة، الغيبة، الكَذِب — كل ما اعتَدَيت عَلى شَخص.
حُقوق العِباد لا تُغفَر إلا بسَدادها
حُقوق الله إن تابَ صاحِبها قَد تُغفَر. أَمّا حُقوق العِباد، فلا تُغفَر إلا بسَداد الحَقّ في الدُّنيا أَو سَماح المَظلوم. حَديث المُفلِس: «أَتَدرون مَن المُفلِس؟ ... المُفلِس مَن يَأتي يَوم القيامة بصَلاة وصيام وزَكاة، ويَأتي قَد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأَكَل مال هذا، وسَفَك دَم هذا، وضَرَب هذا، فيُعطى هذا من حَسَناته، وهذا من حَسَناته، فإن فَنيَت حَسَناته قَبل أن يُقضى ما عَلَيه، أُخِذ من خَطاياهم فطُرِحَت عَلَيه، ثم طُرِح في النّار» (مُسلم).
كَيف تَستَعِدّ لهذا اليَوم؟
(1) حافِظ عَلى الصَّلاة — هي أَوَّل سُؤال. (2) سَدِّ دُيونك في الدُّنيا قَبل المَوت. (3) سَامِح، واطلُب السَّماح ممّن ظَلَمتهم. (4) أَكثِر من النّوافِل لتُكَمِّل نَقص الفَرائض. (5) اَستَغفِر دائِماً، فمَحو السَّيِّئات بالاستِغفار من نِعَم الله. (6) راجِع كِتابك في الدُّنيا: مُحاسَبة نَفسية يَومية. اَكتُب لَيلاً ما عَمِلت من خَير وشَرّ، اَستَدرِك. (7) اَجعَل العَمَل سِرّاً ليُكتَب صافياً، لا يُحبَط برِياء.
هل يُحاسَب المُسلم الذي تابَ من ذُنوبه؟
نَعَم يُحاسَب، لَكن الذُّنوب المَتوب منها مَمحوّة. قال ﷺ في حَديث: «النَّدَم تَوبة» (ابن ماجه)، وقال الله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. التَّوبة الصّادِقة تَمحو الذَّنب وكأنّه لم يَكُن. لكنّك تَحتاج للوَفاء بحَقّ النّاس قَبل المَوت إن كان عَلَيك.