ما بَعد الدَّفن

ما يَنفَع المَيِّت بَعد مَوته — وما هو مَن البِدَع

كَيف تَبَرّ مَوتاك بدون أن تَقَع في بِدعة

بَعد المَوت يَنقَطِع عَمَل الإنسان إلا من ثَلاثة كَما قال النَّبيّ ﷺ. أَكثَر النّاس اليَوم يَظُنّون أنّ كل ما يَنفَع المَيِّت قِراءة الفاتِحة عَلَيه، وهذا خَطَأ شائع. هذه الصَّفحة تُبَيِّن بدِقّة: ما يَنفَعه فِعلاً (مَع الدَّليل)، وما هو من البِدَع المُحدَثة، وما هو الأَنفَع لمَوتاك.

الأَدلّة

حَديثصَحيح مُسلم

إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.

آيةالنَّجم: ٣٩

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾

تَفصيل ومَسائل

أَوَّلاً: ما يَنفَع المَيِّت من سَعيه السابِق

ثَلاثة فقط ثَبَتَت بنَصّ النَّبيّ ﷺ: (١) الصَّدَقة الجارية: مَسجِد بَناه، بِئر حَفَره، شَجَرة زَرَعها، مُصحَف وَقَفه، كِتاب عِلم نَشَره. (٢) عِلم نافِع: كِتاب أَلَّفه، طالِب عَلَّمه، مَوقِع نَشَره. (٣) وَلَد صالِح يَدعو له: لاحِظ «صالِح» — الوَلَد الفاسِق لا يَنفَع بدُعائه. هذه الثَّلاثة تَستَمِرّ بَعد مَوته بدون عَمَل من غَيره.

ثانياً: ما يَفعَله الأَحياء فيَنفَع المَيِّت — بإجماع

(١) الدُّعاء له بالمَغفِرة والرَّحمة — أَعظَم ما يَصِل المَيِّت. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. (٢) الصَّدَقة عنه — جاءَ رَجُل للنَّبيّ ﷺ فقال: «إنّ أُمّي تُوُفِّيَت، أَفيَنفَعها إن تَصَدَّقتُ عنها؟ قال: نَعَم» (البُخاريّ ومُسلم). (٣) قَضاء دَينه — قال ﷺ: «نَفس المُؤمن مُعَلَّقة بدَينه حَتى يُقضى عنه» (الترمذي وحسّنه ابن حجر). (٤) الحَجّ والعُمرة عنه إن لم يَحُجّ الفَريضة وهو قادِر — جاءَت امرأة للنَّبيّ فقالَت: «إنّ فَريضة الله أَدرَكَت أَبي شَيخاً كَبيراً، أَفأَحُجّ عنه؟ قال: نَعَم» (البُخاريّ ومُسلم). (٥) صيام النَّذر عنه إن كان نَذَر صَوماً ولَم يَصُمه: «مَن مات وعَلَيه صَوم نَذر صام عنه وَلِيُّه» (البُخاريّ).

ثالثاً: قِراءة القُرآن للمَيِّت — تَفصيل مُهِمّ

هذه أَكثَر المَسائل التي يَجهَلها النّاس. التَّحقيق: لَيس عَلَيه دَليل صَحيح صَريح من السُّنّة. النَّبيّ ﷺ ماتَت بَناته في حَياته (زَينَب، رُقيّة، أُمّ كُلثوم، ثم فاطِمة بَعده) وماتَ أَصحابه الكِبار (حَمزة، خَديجة، ابنه إبراهيم)، ولَم يُنقَل أنّه ﷺ قَرأَ الفاتِحة أَو شَيئاً من القُرآن لأَيّ مَيِّت ولا أَهداه إلَيه. كذلك الخُلَفاء الراشِدون، وكِبار الصَّحابة، لَم يَفعَلوه. لَو كان مَشروعاً لكان هذا أَوَّل ما يَفعَلونه لأَحَبّ النّاس إلَيهم. القَول بإجازَته جاءَ مُتأَخِّراً واستَدَلّ به أَصحابه عَلى قياس عَلى الصَّدَقة، والقياس في العِبادات لا يَصِحّ — العِبادات تَوقيفية. الأَولى: تَركها واستِبدالها بالدُّعاء الصَّريح والصَّدَقة، فهذا الذي صَحّ بإجماع.

رابعاً: بِدَع شائعة في «خِدمة المَيِّت» — احذَرها

(١) قِراءة الفاتِحة عَلى رُوح المَيِّت عند ذِكره أَو عَلى قَبره — لَيس من السُّنّة، بِدعة شاعَت. (٢) قِراءة سورة يس بالخُصوص عند المُحتَضَر أَو عَلى قَبر — حَديثها ضَعيف، خاصّة قِراءَتها بَعد الدَّفن. (٣) قِراءة القُرآن بأُجرة عَلى الأَموات — مُنكَر صَريح، لا يَنفَع المَيِّت ولا القارِئ. (٤) «أَربَعينية» المَيِّت — تَجَمُّع ٤٠ يَوماً بَعد المَوت بقِراءة قُرآن وإطعام — بِدعة فِرعَونية الأَصل لا أَصل لها في الإسلام. (٥) الذِّكرى السَّنَوية للوَفاة — بِدعة. (٦) تَعليق صورة المَيِّت في البَيت أَو زيارة قَبره دائماً — بِدعة وغُلوّ. (٧) «مَجالِس العَزاء» المُسرَفة بطَعام مَطبوخ من أَهل المَيِّت — مَكروه (أَهل المَيِّت يُطعَمون، لا يُطعِمون).

خامِساً: أَفضَل ما يُهدى للمَيِّت — قائمة عَملية

إذا أَرَدتَ أن تَنفَع وَالِدَيك أَو قَريباً مَيِّتاً — اِفعَل هذه: (١) ادعُ له يَومياً: «اللَّهُمَّ اغفِر لأَبي ولأُمّي وارحَمهما وأَدخِلهما الفِردَوس». (٢) تَصَدَّق عنه شَهرياً — حَتى لَو دِرهَم. صَدَقة جارية أَفضَل: حَفر بِئر، طَبع مُصاحِف، بِناء جُزء من مَسجِد. (٣) اِحجُج أَو اعتَمِر عنه إن لم يَحُجّ. (٤) اِسأَل عَن دَينه واقضِه. (٥) صِل أَرحامه الذين كان يَصِلهم — بِرّ بَعد المَوت. (٦) أَكرِم أَصحابه. (٧) كُن أَنتَ الوَلَد الصالِح الذي يَدعو له — هذا أَعظَم ما يَنفَعه.

سادِساً: شُبهة شائعة — «أَهل بَلَدنا كلّهم يَفعَلونها!»

كَثير يَقول: «أَنتَ تُحَرِّم ما يَفعَله المَلايين». الجَواب: الحَقّ لا يُعرَف بكَثرة الفاعِلين، بل بدَليل من الكِتاب والسُّنّة. قال الله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأَنعام: ١١٦]. وكَثير من البِدَع لا تُكَذَّب لأنّها شائعة، بل تَفهَم بَعد العِلم بالسُّنّة. الذي يُحِبّ مَوتاه فِعلاً يُعطيهم ما يَنفَعهم، لا ما يَظُنّ أنّه يَنفَعهم.

بِدَع وتَنبيهات

  • <strong>هذه المَسأَلة من أَكثَر ما يُتَرَدَّد فيها بَين الجَهل والمحَبّة</strong>. الكَثير يَفعَل البِدَع بحُسن نِيّة لمحَبّة مَوتاه. الواجِب تَعليمهم برِفق، لا اتِّهامهم بالباطِل.

  • إذا تَوَفّى أَهلك ولَم تَفعَل لَهم بِدَعاً — لا تَشعُر بالنَّقص. أَنتَ فَعَلت الصَّحيح. مَن دَعا والِدَيه ٥ ثَوانٍ بصِدق خَير من ألف خَتمة قُرآن مُهداة بدون دَليل.

  • <strong>لا تُشارِك في إقامة هذه البِدَع</strong>، لكن لا تَجعَل ذلك سَبَباً لقَطيعة الرَّحم. اِعتَذِر بأَدَب، ولا تُهاجِم.

رَوابِط ذات صِلة