الشِّرك ونَواقِضه

الرِّياء والشِّرك الخَفي — أَخفى من دَبيب النَّمل

الشِّرك الذي يُحبِط أَجر العامِل من حَيث لا يَدري

الرِّياء أن تَعمَل عَمَلاً لله ظاهِراً، وقَلبك يَنتَظِر مَدح النّاس. هذا شِرك أَصغَر يُحبِط الأَجر. النَّبيّ ﷺ خاف عَلى أَصحابه منه أَكثَر من خَوفه عَلَيهم من المَسيح الدَّجّال. مَن نَجا منه فقَد نَجا من أَخفى أَنواع الشِّرك.

الأَدلّة

آيةالكهف: ١١٠

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

حَديثأحمد وحسنه ابن حجر

إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ. قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟

حَديثصحيح مسلم

إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ ... قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

تَفصيل ومَسائل

ما هو الرِّياء؟

أن تَعمَل عَمَلَ آخِرة (صَلاة، صَوم، صَدَقة، عِلم) وأَنت تُريد مَدح النّاس. عَلامَته: لَو لم يَرَك أَحَد، لتَرَكت العَمَل أَو خَفَّفت. الرِّياء داء قَلبي خَفي، لا يَكتَشِفه الإنسان في نَفسه إلا بمُحاسَبة دَقيقة.

أَنواع الرِّياء

(1) رِياء أَصلي: تَعمَل العَمَل من أَجل النّاس فقَط. هذا شِرك يُحبِط العَمَل كاملاً. (2) رِياء طارِئ: تَبدَأ العَمَل لله، ثم يَطرَأ شُعور بالرِّياء أَثناءه. تَطرُده بقَلبك واستِغفار وتُكمِل، فالعَمَل صَحيح. (3) السُّمعة: تَعمَل العَمَل سِرّاً ثم تُحَدِّث به ليَمدَحك النّاس. هذه أَخفى صور الرِّياء.

أَمثلة عَملية للرِّياء

(1) تُطيل الصَّلاة لمّا يَراك النّاس. (2) تَتَصَدَّق بصَوت مُرتَفِع ليَسمَع النّاس. (3) تَكثُر من الذِّكر في مَجلِس فيه عُلَماء. (4) تَنشُر في وَسائل التَّواصُل صور صَدَقَتك بنِيّة المَدح. (5) تَتَكَلَّم بالعَرَبية الفَصيحة في حِوار ديني ليَظهَر عِلمك. (6) تَرتَدي ثياب التَّقوى لتَكتَسِب اِحتِراماً، لا لله. (7) تَخفي مَعصية لئلا تَفقِد سُمعَتك، لا تَخفيها خَوفاً من الله.

أَنواع الشِّرك الخَفي الأُخرى

(1) العُجب: إعجاب بنَفسك بسَبَب عَمَل صالِح، فيَنزِع البَركة. (2) الحَلِف بغَير الله (تَفصيله في باب آخَر). (3) قَول «ما شاء الله وشِئت»: قَول النَّبيّ ﷺ: «لا تَقولوا ما شاء الله وشاء فُلان، ولَكِن قولوا ما شاء الله ثم شاء فُلان» (أَبو داود). الفَرق بَين الواو وثم — الواو للتَّسوية، ثم للتَّرتيب. (4) التَّعَلُّق بالأَسباب: اعتِقاد أنّ الدَّواء يَشفي بنَفسه، أنّ المَنصِب يُنجي، أنّ القَريب يَكفي — الفاعِل الحَقيقي الله، الأَسباب مُجَرَّد وَسائل.

كَيف تُعالِج الرِّياء؟

(1) تَذَكَّر عَظَمة الله: كَيف تَنظُر للنّاس وَهُو يَنظُر إلَيك؟ (2) أَخفِ بَعض عَمَلك: صَدَقة سِر، صَوم سِر، قِيام سِر — هذا يُقَوّي الإخلاص. (3) اَدعُ الله: «اللهم إنّي أَعوذ بك أن أُشرِك بك وأنا أَعلَم، وأَستَغفِرك لما لا أَعلَم». (4) اَستَحضِر الموت: مَن مات أَمامك قَريب، أَين مَدح النّاس له؟ (5) اَجعَل في كل عَمَل نِيّة سَرّية بَينك وبَين الله. (6) اَترُك ما تَلَبَّس بشُبهة رِياء قَبل أن يَفسُد عَلَيك. (7) اَقرَأ سيرة الصّالِحين الذين كانوا يَكتُمون أَعمالهم.

هل تَترُك العَمَل إذا خَشيت الرِّياء؟

لا. الفُضيل بن عِياض قال: «تَرك العَمَل لأَجل النّاس رياء، والعَمَل لأَجل النّاس شِرك، والإخلاص أن يُعافيك الله منهما». الحَلّ ليس تَرك العَمَل، بل عَمَله مَع تَطهير القَلب. اَستَمِرّ في الصَّلاة في المَسجِد وَلَو خَشيت الرِّياء — اَنوِ لله، اَستَغفِر، استَمِرّ.

حالات لَيسَت رياء

(1) الفَرَح بثَناء النّاس عَلى عَمَلك بَعد عَملك بدون قَصد — بُشرى المُؤمِن العاجِلة (مُسلم). (2) إظهار العَمَل لاقتِداء النّاس (لتُعَلِّم الجاهِل، لتَنشُر سُنّة) — إن كانَت النِّيّة صادِقة، فلَيس برِياء. (3) التَّجَمُّل والنَّظافة في العِبادة (لِبس حَسَن في الصَّلاة، طِيب في الجُمُعة) — هذه من السُّنّة لا رياء.

تَنبيهات

  • نَشر صور الصَّدَقة في السوشيال ميديا بنِيّة المَدح — رياء صَريح.

  • إطالة الصَّلاة عند الإمامة لأَجل النّاس — رياء.

  • تَحَدُّث بأَعمال الخَير القَديمة لرَفع المَكانة — سُمعة.

  • نَشر اقتِباسات شَرعية في المَنشورات بدون عَمَل بها — قَد يَكون شُهرة لا إخلاص.

  • تَركيز عَلى اللِّباس الشَّرعي في الصور للسُّمعة — رياء.

ذو صِلة